كيف أصبحت بنغلاديش قوة دوائية صاعدة؟
سياسات صناعية طويلة الأمد تقود نمو الإنتاج والتصدير
- محمود الشاذلي
- 26 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- بنغلاديش, قطاع الصناعات الدوائية
يشهد قطاع الصناعات الدوائية في بنغلاديش خلال عام 2026 مرحلة جديدة من النمو والتوسع، مدفوعًا باستثمارات محلية وأجنبية، وخطط حكومية تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير البحث العلمي، وزيادة القدرة التنافسية للصناعة في الأسواق العالمية. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الواردات، وتحويل صناعة الدواء إلى أحد أهم محركات الاقتصاد والصادرات.
ويُعد قطاع الأدوية من أكثر القطاعات الصناعية نجاحًا في بنغلاديش، بعدما تمكنت الشركات المحلية خلال العقود الماضية من تلبية معظم احتياجات السوق الداخلية، إلى جانب تصدير منتجاتها إلى عشرات الدول في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ما جعله أحد أبرز مصادر العملة الأجنبية وداعمًا للنمو الصناعي.
وترجع بدايات هذا النجاح إلى السياسات الصناعية التي تبنتها الحكومة منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي وفرت بيئة تشريعية داعمة للتصنيع المحلي، كما استفادت البلاد من الإعفاءات الممنوحة للدول الأقل نموًا ضمن اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (TRIPS)، ما أتاح للشركات إنتاج الأدوية الجنيسة بتكلفة تنافسية، وأسهم في توسيع قاعدة الإنتاج الوطني.
وتواصل الحكومة البنغلاديشية، بالتعاون مع هيئة تنظيم الأدوية ووزارة الصحة، تنفيذ برامج تستهدف رفع معايير الجودة، وزيادة الاستثمارات في المختبرات ومراكز الأبحاث، وتشجيع تصنيع المواد الخام الدوائية محليًا، للحد من الاعتماد على استيراد المكونات الأساسية التي لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام القطاع.
ويرى الباحث في سياسات التنمية رضوان الإسلام أن تجربة بنغلاديش تمثل نموذجًا ناجحًا للدول النامية في بناء صناعة قادرة على المنافسة عالميًا، موضحًا أن النجاح تحقق بفضل السياسات الصناعية طويلة الأجل، والاستثمار في التعليم الفني، وتوفير الدعم اللازم للشركات الوطنية، بما ساعدها على اكتساب الخبرات والقدرات الإنتاجية.
كما تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية أصبح أولوية استراتيجية للعديد من الدول، خاصة بعد جائحة كورونا والأزمات الصحية العالمية التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد الدولية، وأبرزت أهمية امتلاك قدرات تصنيع وطنية تضمن الأمن الدوائي واستمرارية توفير الأدوية.
وفي السياق ذاته، يشير الاقتصادي داني رودريك، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة هارفارد، في دراساته حول التنمية الصناعية، إلى أن بناء صناعات تنافسية لا يعتمد فقط على انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما يحتاج إلى سياسات حكومية فعالة، واستثمارات مستمرة في التعليم والابتكار، وربط الشركات المحلية بالأسواق العالمية وسلاسل القيمة الدولية.
ورغم الإنجازات التي حققتها الصناعة الدوائية في بنغلاديش، فإنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، والتوسع في إنتاج الأدوية الحيوية والعلاجات المتقدمة، إضافة إلى تطوير التكنولوجيا المستخدمة في التصنيع، بما يواكب التحولات العالمية في صناعة الدواء.
كما تفرض المنافسة الدولية متطلبات متزايدة على الشركات البنغلاديشية، خاصة فيما يتعلق بالحصول على الاعتمادات الدولية والالتزام بمعايير الجودة الصارمة، وهو ما يتطلب استمرار تحديث خطوط الإنتاج، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز الرقابة الدوائية لضمان الحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن توسع صناعة الأدوية يحمل فوائد تتجاوز العائدات الصناعية، إذ يسهم في خلق فرص عمل للكوادر العلمية والهندسية، وتحسين الأمن الصحي، وتقليل فاتورة الاستيراد، ودعم ميزان المدفوعات من خلال زيادة الصادرات، وهو ما يعزز مكانة القطاع كأحد ركائز التنمية الاقتصادية في البلاد.
وفي المقابل، يؤكد متخصصون أن الحفاظ على وتيرة النمو يتطلب توسيع التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص، وزيادة الاستثمارات في الابتكار والتكنولوجيا الحيوية، باعتبارها المحرك الأساسي لصناعة الدواء الحديثة، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على العلاجات المتقدمة والمنتجات البيولوجية.
ويتوقع مراقبون أن تواصل بنغلاديش تعزيز حضورها في سوق الأدوية العالمية خلال السنوات المقبلة، إذا نجحت في تطوير صناعة المواد الخام الدوائية، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي، وإقامة شراكات دولية في مجالات التكنولوجيا الحيوية والتصنيع المتقدم، بما يدعم تحولها من منتج للأدوية الجنيسة إلى لاعب أكثر تأثيرًا في الصناعات الدوائية ذات القيمة المضافة العالية.
وتؤكد التجربة البنغلاديشية أن الاستثمار طويل الأجل في التصنيع والبحث العلمي يمكن أن يحول قطاعًا حيويًا مثل صناعة الدواء إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية، ويمنح الدول النامية والإسلامية قدرة أكبر على تحقيق الأمن الصحي، وتعزيز الصادرات، وبناء اقتصاد أكثر استقلالية في مواجهة التقلبات العالمية.
