الاتهامات بين السودان وإثيوبيا واحتمالات تحول الحرب لصراع إقليمي

السودان تؤكد وإثيوبيا تنفي دعم مليشيا حميدتي

دخلت  العلاقات السودانية ـ الإثيوبية مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن تورط إثيوبيا في دعم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

فقد اتهم مستشار البشير امجد فريد إثيوبيا والإمارات بتسهيل هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل السودان، بينما نفت أديس أبابا الاتهامات وأوضحت علي لسان مستشار رئيس الوزراء جيتاتشو ردا بأن هذه الاتهامات “بلا أساس، وتأتي في إطار سعي الخرطوم لتدويل أزمة محلية بل وزاد علي ذلك بزعم دعم السودان قوى معادية لها.

لماذا تصر الخرطوم على اتهام إثيوبيا؟

بالنسبة إلى السودان، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف دبلوماسي، وإنما بمحاولة تفسير التحولات العسكرية الأخيرة في الحرب.

فقد تحدثت تقارير عن وجود معسكر في منطقة أسوسا الإثيوبية لتدريب مقاتلين مرتبطين بالدعم السريع، مع حديث عن إمدادات مرتبطة بشبكات إماراتية فيما أشارت أخرى إلى استخدام الأراضي الإثيوبية كجزء من خطوط إمداد محتملة للدعم السريع.

ومن ثم ترى الخرطوم أن إثيوبيا لم تعد مجرد دولة مجاورة تحاول الحفاظ على مصالحها، بل قد تكون أصبحت جزءاً من البيئة الإقليمية التي تسمح باستمرار الحرب.

ويزداد القلق السوداني مع تكرار الحديث عن عبور مسيّرات من الأراضي الإثيوبية، وهو ما دفع الخرطوم إلى التحذير من أن الأمر يمثل انتهاكاً لسيادتها.

لكن الاتهام يحمل أيضاً بعداً سياسياً؛ فالخرطوم تريد الضغط على أديس أبابا وإحراجها إقليمياً، وقطع الطريق على أي ترتيبات تسمح للدعم السريع بالحصول على دعم خارجي عبر الحدود الشرقية.

نفي أديس أبابا؟

ومن المؤكد أن لإثيوبيا مصلحة واضحة في رفض الاتهامات، لأن الاعتراف بتقديم دعم مباشر للدعم السريع سيضعها في مواجهة مفتوحة مع الجيش السوداني، وقد يفتح حدودها على صراع جديد في وقت تواجه فيه بالفعل توترات داخلية متصاعدة، خصوصاً في إقليم تيجراي.

وقد نفت الحكومة الإثيوبية رسمياً ضلوعها في الهجمات على السودان، واتهمت الخرطوم بدورها بالتدخل في شؤونها ودعم خصومها في إشارة الي جبهةتحرير شعب تيجراي المناهضة لأديس أببا .

كما أن أديس أبابا لا تريد تحويل خلافاتها مع الخرطوم حول الحدود وسد النهضة ومناطق النفوذ إلى حرب شاملة. فالتصعيد العسكري المباشر قد يهدد التجارة الحدودية ويزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية عليها.

ما أهداف إثيوبيا إذا ثبت تورطها؟

إذا صحت التقارير المتعلقة بتسهيل الدعم للدعم السريع، فإن الهدف الأهم بالنسبة إلى إثيوبيا سيكون منع نشوء سودان قوي ومتقارب بصورة كبيرة مع مصر وإريتريا لاسيما الجيش السوداني أصبح أكثر ارتباطاً بالقاهرة، بينما تمثل إريتريا شريكاً أمنياً مهماً للخرطوم. وترى تحليلات أن هذا التقارب يثير مخاوف في أديس أبابا.

كما أن وجود قوة مسلحة منافسة للجيش السوداني في مناطق قريبة من الحدود قد يمنح إثيوبيا هامشاً أكبر للتأثير في مستقبل السودان، ويمنع احتكار طرف واحد للقرار السياسي والعسكري في الخرطوم.

أما السودان، فيسعى إلى منع تحويل الدعم السريع إلى قوة إقليمية مستقلة قادرة على الاستمرار في الحرب بفضل خطوط إمداد خارجية. ولهذا أصبحت المعركة الدبلوماسية حول إثيوبيا جزءاً من المعركة الأوسع ضد شبكة الدعم الإقليمي للدعم السريع.

الخرطوم ودعم جبهة تحرير تيجراي

ويشكل هذا الدعمحال حدوثه السيناريو الأكثر خطورة، لكنه ليس بالضرورة الخيار الأول أمام السودان. فالتوتر بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي عاد إلى التصاعد خلال الأشهر الأخيرة، وشهدت المنطقة مواجهات جديدة، ما يجعل الساحة الإثيوبية قابلة للاشتعال من جديد.

وقد يكون السودان قادراً على استخدام ورقة تيجراي سياسياً للضغط على أديس أبابا، لكن الانتقال من التهديد السياسي إلى دعم عسكري مباشر سيعني عملياً فتح جبهة جديدة ضد إثيوبيا. وهذا قد يرتد على الخرطوم نفسها، خصوصاً أن السودان ما زال غارقاً في حرب داخلية.

لذلك تبدو الورقة الأقرب هي الدعم السياسي واللوجستي غير المباشر أو التلويح به، بدلاً من الانخراط العلني في حرب إثيوبية داخلية. فمجرد امتلاك الخرطوم لهذه الورقة قد يكون كافياً لدفع أديس أبابا إلى إعادة حساباتها.

الإمارات وإثيوبيا الدعم السريع

وفي هذا السياق تظهر الإمارات باعتبارها العامل الإقليمي الأكثر إثارة للجدل. فقد اتهم السودان أبوظبي مراراً بدعم الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات ذلك.

وفي فبراير 2026 كشفت مصادر إعلامية مستقلة عن معلومات بشأن معسكر في إثيوبيا لتدريب مقاتلين مرتبطين بالدعم السريع، مع إشارات إلى إمدادات عسكرية ولوجستية مرتبطة بالإمارات.

وهذا لا يعني بالضرورة أن إثيوبيا تنفذ سياسة إماراتية، لكنها قد تستفيد من التعاون مع أبوظبي اقتصادياً وسياسياً، بينما تستفيد الإمارات من الأراضي والموقع الإثيوبيين ضمن شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية.

التداعيات على المنطقة

الخطر الأكبر هو انتقال الحرب السودانية من صراع داخلي إلى حرب بالوكالة متعددة الأطراف. فإذا أصبح شرق السودان مسرحاً للتنافس بين الجيش والدعم السريع، مع انخراط إثيوبيا وإريتريا ومصر والإمارات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن الحدود السودانية قد تتحول إلى خطوط تماس إقليمية.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تدفق اللاجئين، وتهديد التجارة في منطقة القرن الإفريقي، وإعادة إشعال صراعات تيجراي والنيل الأزرق، وربط الأزمة السودانية بالتوترات حول مياه النيل وسد النهضة.

لذا ينبغي هنا التأكيد إن أخطر ما في الأزمة ليس مجرد الاتهامات المتبادلة، وإنما احتمال تحولها إلى معادلة ردع متبادل: إثيوبيا تضغط عبر الدعم السريع أو الحدود، والسودان يلوّح بورقة تيجراي. وإذا خرج الطرفان من مرحلة التهديد السياسي إلى الدعم العسكري المباشر، فقد تصبح الحرب السودانية شرارة لصراع أوسع في القرن الإفريقي، يصعب احتواؤه حتى على القوى التي ساهمت في إشعاله.

اترك تعليقا