الائتمان.. هل أصبح العالم على مقربة من أزمة مالية جديدة؟
ارتفاع الديون وتشديد الإقراض يثيران المخاوف من اضطراب مالي عالمي
- معاذ الجمال
- 14 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, الأزمات الاقتصادية والاجتماعية, الأزمة الاقتصادية, الاقتصاد العالمي, الدين الخارجي, الدين العام, السندات, مخاطر الائتمان
الأزمات الاقتصادية الكبرى عبر التاريخ، لم تكن وليدة انهيارات في الأسواق المالية وحسب، بل غالبًا ما بدأت من نقطة أقل وضوحًا وأكثر خطورة، وهي تعطل تدفق الائتمان داخل الاقتصاد، فالائتمان يمثل شريان الحياة للنشاط الاقتصادي، فمن خلاله تمول الشركات توسعاتها، ويشتري الأفراد المنازل والسيارات، وتستثمر الحكومات في مشروعاتها، وتستمر حركة التجارة العالمية، وعندما تتراجع البنوك والمؤسسات المالية عن الإقراض بسبب ارتفاع المخاطر أو نقص السيولة أو تزايد حالات التعثر، تبدأ دورة اقتصادية معاكسة تتراجع فيها الاستثمارات والاستهلاك والإنتاج، لتتحول تدريجيًا إلى أزمة مالية قد تمتد آثارها إلى العالم بأسره.
وبينما شهد العالم أخطر أزمة ائتمان خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، يحذر اقتصاديون ومؤسسات دولية اليوم من أن المستويات القياسية للديون العالمية، وارتفاع أسعار الفائدة، والضغوط التي تواجه البنوك وأسواق التمويل، قد تجعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة لعودة أزمة ائتمان جديدة، قد تكون آثارها أشد تعقيدًا في ظل الترابط غير المسبوق بين الاقتصادات والأسواق.
شريان الاقتصاد..
تعرف «أزمة الائتمان» بأنها الحالة التي تتراجع فيها قدرة أو رغبة المؤسسات المالية في منح القروض، حتى للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية المرتفعة، نتيجة تزايد المخاطر أو ضعف السيولة أو تراجع الثقة في الأسواق، ويؤدي ذلك إلى انكماش التمويل المتاح للشركات والأفراد، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستثمار والإنتاج والاستهلاك والنمو الاقتصادي.
ورغم أن “الائتمان” كان دائمًا عنصرًا أساسيًا في النشاط الاقتصادي، فإن مفهوم “أزمة الائتمان” برز بقوة خلال العقود الأخيرة مع ازدياد اعتماد الاقتصاد العالمي على التمويل المصرفي وأسواق السندات، فقد شهد العالم أزمات ائتمانية متفرقة خلال «الكساد الكبير» في “ثلاثينيات القرن الماضي”، حيث أدى انهيار البنوك وانكماش الإقراض إلى تراجع الاستثمار والإنتاج وارتفاع البطالة.
ليدخل العالم في أعمق ركود اقتصادي في العصر الحديث، ثم خلال “الأزمة الآسيوية” عام 1997، حيث تسبب انهيار العملات وارتفاع الديون وزيادة المضاربات واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية، في تعثر البنوك والشركات، وانكماش الائتمان، وانتقال الأزمة إلى عدة اقتصادات آسيوية، ما استدعى برامج إنقاذ دولية، إلا أن الأزمة المالية العالمية في “عام 2008” مثلت النموذج الأكثر وضوحًا وخطورة.
ففي تلك الأزمة، أدى التوسع المفرط في منح قروض «الرهن العقاري مرتفعة المخاطر» في “الولايات المتحدة” إلى موجة واسعة من التعثر، ومع خسائر البنوك والمؤسسات المالية انهارت الثقة بين المصارف، وتوقفت عمليات الإقراض بصورة حادة، لتتحول “أزمة العقارات” إلى “أزمة ائتمان عالمية” أصابت معظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة، ومع جفاف التمويل، انهارت شركات كبرى، وارتفعت معدلات البطالة، ودخل الاقتصاد العالمي في أسوأ ركود منذ “الكساد الكبير”، وهو ما أكد أن توقف الائتمان قد يكون أكثر خطورة من انهيار أسعار الأسهم نفسها.
ومنذ ذلك الوقت، عززت السلطات الرقابية القواعد المصرفية ورفعت متطلبات رأس المال والسيولة، إلا أن النظام المالي العالمي أصبح في المقابل أكثر اعتمادًا على “أسواق الدين والتمويل غير المصرفي”، وهو ما خلق مصادر جديدة للمخاطر تختلف عن تلك التي سبقت “أزمة 2008”.
ديون قياسية ومخاطر متراكمة..
تكمن خطورة “أزمة الائتمان” الحالية المحتملة في أنها تأتي في وقت يشهد فيه العالم “أعلى مستويات الدين” في تاريخه الحديث، فقد ارتفعت ديون الحكومات والشركات والأسر بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مدفوعة بفترات طويلة من “أسعار الفائدة المنخفضة”، ثم تضاعفت مع برامج التحفيز التي أطلقتها الحكومات خلال «جائحة كورونا»، ويقصد بـ”برامج التحفيز المالي والنقدي”، أنه مجموعة الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومات والبنوك المركزية لدعم الاقتصاد خلال “الجائحة” ومنع دخوله في ركود عميق.
فعلى الصعيد المالي.. ضخت الحكومات تريليونات الدولارات عبر تقديم مساعدات نقدية مباشرة للأسر، ودعم الشركات، وتمويل برامج الحفاظ على الوظائف، وتأجيل بعض الضرائب والالتزامات، أما على الصعيد النقدي.. فقد خفضت البنوك المركزية “أسعار الفائدة الأساسية التي تقترض بها البنوك الأموال” إلى مستويات “تقترب من الصفر” لتقليل تكلفة الاقتراض، كما لجأت إلى شراء كميات ضخمة من “السندات الحكومية” و”الأوراق المالية”، وهي سياسة تُعرف بـ”التيسير الكمي”، بهدف ضخ السيولة في النظام المالي وتشجيع البنوك على مواصلة الإقراض.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في الحد من تداعيات الجائحة وتسريع التعافي الاقتصادي، لكنها في المقابل شجعت الحكومات والشركات والأفراد على الاقتراض بكثافة، ما أدى إلى “تضخم مستويات الديون العالمية”، لتتحول لاحقًا إلى أحد أبرز مصادر القلق مع عودة أسعار الفائدة إلى الارتفاع.. وبالفعل..مع عودة “التضخم”، اضطرت البنوك المركزية إلى “رفع أسعار الفائدة” بوتيرة هي الأسرع منذ عقود، ما أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض، وارتفاع “أعباء خدمة الديون”، وتراجع قيمة العديد من الأصول المالية والسندات التي تحتفظ بها البنوك والمؤسسات الاستثمارية.
وفي مثل هذه البيئة وتلك الأوضاع، تصبح المؤسسات المالية أكثر تحفظًا في منح القروض، بينما تجد الشركات والأسر صعوبة أكبر في الحصول على التمويل أو إعادة تمويل ديونها القائمة، وإذا تزايدت حالات التعثر، فقد تدخل البنوك في دائرة مفرغة من تشديد شروط الإقراض، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، ثم مزيد من التعثر، ثم مزيد من “الانكماش الائتماني”.
لا تقتصر المخاطر على البنوك التقليدية، بل تمتد إلى ما يعرف بقطاع “التمويل غير المصرفي”، الذي يضم “صناديق الاستثمار” و”صناديق التحوط” و”شركات الائتمان الخاصة”، والتي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تمويل الشركات حول العالم، حيث حذرت مؤسسات مثل “صندوق النقد الدولي” و”بنك التسويات الدولية” من أن الضغوط في هذا القطاع قد تنتقل سريعًا إلى النظام المالي بأكمله، خاصة في ظل الترابط الكبير بين الأسواق العالمية.
كما أن تصاعد التوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتباطؤ “الاقتصاد الصيني”، وارتفاع مستويات عدم اليقين، كلها عوامل قد تدفع المستثمرين إلى تقليل المخاطر، وهو ما يفاقم نقص السيولة ويزيد احتمالات حدوث أزمة ائتمان واسعة النطاق.
مآلات الأزمة..هل أصبحنا على شفا انهيار جديد؟
لا يعني ارتفاع المخاطر أن العالم يقف حتمًا على أعتاب أزمة مالية جديدة، فالنظام المصرفي العالمي أصبح أكثر صلابة مقارنة بعام 2008، كما تمتلك البنوك المركزية أدوات رقابية وسياسات تدخل أكثر تطورًا، إلا أن العديد من الاقتصاديين يرون أن مصدر الخطر الحقيقي يكمن في تزامن عدة عوامل في وقت واحد، تشمل “ارتفاع الديون”، و”تشديد السياسة النقدية”، و”تباطؤ النمو”، و”استمرار التوترات الجيوسياسية”، وهو ما قد يحول أي أزمة محلية إلى اضطراب عالمي واسع.
حيث عززت أحدث تقارير “صندوق النقد الدولي” المخاوف من هشاشة النظام المالي العالمي، إذ تشير إلى أن إجمالي الدين العالمي (الحكومي والخاص) بلغ نحو 251 تريليون دولار بنهاية “عام 2024″، أي ما يعادل أكثر من 235% من “الناتج المحلي الإجمالي العالمي”، مقارنة بنحو 230% قبل “جائحة كورونا”، ويُظهر التقرير أن “الدين الحكومي العالمي” ارتفع إلى نحو 93% من “الناتج المحلي الإجمالي”، مقابل 84% في “عام 2019″، بينما بلغ “الدين الخاص” نحو 143% من الناتج العالمي.
وتزداد حساسية الاقتصاد العالمي لأن “الائتمان” لم يعد مجرد وسيلة تمويل، بل أصبح أساسًا لاستمرار حركة الاستثمار والتجارة والتوظيف، وأي انكماش حاد في الإقراض قد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات، وتراجع الطلب، وانخفاض الإنتاج، وزيادة البطالة، وتراجع الإيرادات الحكومية، لتدخل الاقتصادات في حلقة يصعب كسرها دون تدخلات واسعة من البنوك المركزية والحكومات.
في المقابل، فإن الإفراط في التدخل عبر “خفض أسعار الفائدة” أو “ضخ السيولة” أو “التيسير النقدي”، قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها من خلال تشجيع الاقتراض المفرط وتكوين “فقاعات جديدة في الأصول”، وهو ما يجعل صناع السياسات أمام معادلة شديدة التعقيد بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي.
وخلال السنوات المقبلة.. ستظل “أزمة الائتمان” واحدة من أكثر المخاطر التي يراقبها المستثمرون والمؤسسات الدولية، ليس لأنها وقعت بالفعل، وإنما لأنها قد تنشأ بسرعة إذا تراجعت الثقة داخل النظام المالي العالمي، ولذلك فإن الحفاظ على استقرار البنوك، وضبط مستويات الدين، وتعزيز الرقابة على مؤسسات التمويل التقليدية وغير التقليدية، سيبقى خط الدفاع الأول لمنع تحول الضغوط الحالية إلى أزمة مالية عالمية جديدة، قد تكون أكثر تعقيدًا واتساعًا من الأزمات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية.
