الإعمار العربي لآثار النزاعات بين ترميم الدمار و بناء الاقتصاد

ترميم الهوية وبناء الغد

طرحت الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، رانيا المشاط، مبادرة لإنشاء إطار إقليمي ينسق استثمارات الحكومات والبنوك التنموية والقطاع الخاص في إعادة إعمار الدول العربية المتضررة من النزاعات، محذرة من أن الاقتصار على إعادة بناء المنشآت المدمرة لن يعالج جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وجاء الطرح خلال مشاركتها في جلسات حوار المنامة، الأحد 1 نوفمبر، تحت عنوان «أجندة اقتصادية جديدة: من إعادة الإعمار والتنمية إلى الازدهار». ودعت المشاط إلى دراسة إنشاء «ميثاق إقليمي للازدهار» يربط بين مشروعات النقل والكهرباء والاتصالات، وتوفير فرص العمل، وتطوير المهارات، وإعادة دمج الاقتصادات المتضررة في الأسواق العربية.
أرقام تكشف اتساع الأزمة
بحسب الأرقام التي عرضتها المشاط، ارتفع عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية في الدول العربية من 76 مليون شخص عام 2025 إلى 81 مليوناً عام 2026، كما تمثل المنطقة نحو 40% من الوفيات المرتبطة بالنزاعات عالمياً خلال عام 2025.
وتكشف هذه المؤشرات أن إعادة الإعمار ليست مجرد ملف استثماري، بل ترتبط بملايين الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو مساكنها أو إمكانية الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
وشددت المشاط على أن النزاعات الطويلة لا تدمر البنية الأساسية وحدها، بل تضعف المؤسسات والقدرة الإنتاجية، وتؤدي إلى تراجع التعليم وسبل العيش، وهو ما يجعل التعافي أكثر صعوبة حتى بعد توقف القتال.
من سيستفيد من مشروعات الإعمار؟
تتضمن الرؤية المقترحة إنشاء ممرات اقتصادية تربط الموانئ وشبكات الطاقة والتجارة والاتصالات، بما يسمح للدول المتضررة بالعودة إلى النشاط الاقتصادي الإقليمي بدلاً من التعامل معها باعتبارها أسواقاً منفصلة لمشروعات الإغاثة.
ويمكن أن تستفيد شركات المقاولات والطاقة والنقل والاتصالات، إلى جانب المصارف التنموية والمستثمرين، من هذه المشروعات. لكن حجم الاستفادة الفعلية للدول المتضررة سيعتمد على شروط التمويل، ونسبة مشاركة الشركات المحلية، وقدرة العمالة الوطنية على الحصول على الوظائف، ومدى توجيه الاستثمارات إلى قطاعات الإنتاج وليس العقارات والبنية الأساسية وحدها.
وهنا تبرز نقطة اجتماعية مهمة: قد ترتفع قيمة الاستثمارات ومعدلات النمو دون أن يشعر السكان بتحسن ملموس إذا ذهبت العقود إلى شركات أجنبية أو تركزت الوظائف في العمالة المستوردة، أو لم تتوافر برامج لإعادة تدريب العاملين الذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب.
مخاوف من الديون وتوزيع المكاسب
رغم أهمية التنسيق الإقليمي، فإن تمويل الإعمار يثير أسئلة حول مصادر الأموال وشروطها. فالدول التي خرجت من النزاعات غالباً ما تكون مثقلة بالديون وضعيفة الإيرادات، وقد يؤدي الاعتماد على القروض التجارية إلى تحميل الأجيال المقبلة أعباء مالية إضافية.
كما أن غياب المؤسسات الرقابية والشفافية قد يجعل عقود الإعمار مجالاً للاحتكار وتضارب المصالح، بينما تتراجع حصة المشروعات الصغيرة والعمال المحليين من الإنفاق.
ومن ثم، فإن نجاح المبادرة يتطلب نشر تفاصيل التمويل والعقود، وإشراك المجتمعات المحلية، وربط المشروعات بمؤشرات واضحة لخلق الوظائف وتحسين الخدمات، مع إعطاء الأولوية للمياه والكهرباء والصحة والتعليم والغذاء.
ممرات الطاقة والتجارة
أشارت المشاط إلى أهمية الربط الكهربائي الإقليمي، ومن بين المشروعات التي ذكرتها مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية، المصمم لتبادل قدرات تصل إلى 3000 ميجاوات.
وتتجاوز أهمية هذه المشروعات تبادل الطاقة؛ إذ يمكن أن تساعد على استقرار الإمدادات وخفض تكاليف الإنتاج، وتدعم الصناعة والاستثمار في الدول المتصلة بالشبكات. لكن الاستفادة منها ستظل مرتبطة بقدرة الدول على حماية البنية الأساسية، وتنسيق التشريعات، وتوفير التمويل، وضمان ألا تتحول مشروعات الربط إلى ممرات عبور لا تحقق قيمة مضافة للاقتصادات المحلية.
التحدي الحقيقي: السلام قبل الاستثمار
تطرح المبادرة تصوراً مهماً لربط الأمن بالاقتصاد، لكنها لا تقدم حتى الآن اتفاقاً تمويلياً ملزماً أو جدولاً زمنياً للتنفيذ. كما أن استمرار النزاعات أو بقاء الدول في حالة «لا حرب ولا سلام» يجعل المستثمرين أكثر حذراً، ويرفع تكاليف التأمين والتمويل ويؤخر القرارات الاستثمارية.
والخلاصة أن الإعمار العربي يحتاج إلى أكثر من مؤتمرات ومبادرات تنسيق؛ فهو يتطلب تسويات سياسية مستقرة، ومؤسسات قادرة على إدارة الأموال، وضمانات تمنع احتكار المشروعات، وسياسات تجعل السكان والعمال والمشروعات المحلية شركاء في عوائد إعادة البناء، لا مجرد متلقين لنتائجها.
المصادر
•صحيفة الأهرام أونلاين .
•لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا» .
•حوار المنامة 2026، جلسة «أجندة اقتصادية جديدة: من إعادة الإعمار والتنمية إلى الازدهار».

اترك تعليقا