الإسلام في الصين وروسيا بين الرقابة والعلمنة والتحولات الاجتماعية
حضور تاريخي عميق بين قوميات وشعوب متعددة
- السيد التيجاني
- 24 مايو، 2026
- تقارير
- الإسلام في الصين وروسيا, الصين, حضور تاريخي, روسيا
رغم أن الإسلام يشهد نمواً سكانياً وثقافياً في مناطق واسعة من آسيا وأوروبا الشرقية، فإن الصين وروسيا تمثلان حالتين مختلفتين ومعقدتين عند دراسة ظاهرة الدخول إلى الإسلام أو الابتعاد عنه. ففي البلدين يحتفظ الإسلام بحضور تاريخي عميق بين قوميات وشعوب متعددة.
كما يجذب بعض المعتنقين الجدد الباحثين عن المعنى الروحي والانضباط الأخلاقي، إلا أن الضغوط السياسية والأمنية والاجتماعية خلقت بيئة تدفع بعض المسلمين الجدد أو أبناء الأجيال الحديثة إلى الابتعاد عن التدين أو تقليل حضورهم الديني في المجال العام.
تحولات دينية في بيئات سياسية معقدة
وتشير أغلب الدراسات الحديثة إلى أن أسباب الابتعاد عن الإسلام في الصين وروسيا تختلف عن أوروبا وأميركا؛ ففي الغرب ترتبط الظاهرة غالباً بالفردانية والاندماج الثقافي، بينما ترتبط في الصين وروسيا بصورة أكبر بالرقابة السياسية والضغوط الأمنية والتحولات الاجتماعية العميقة.
الصين.. الإسلام تحت ضغط الرقابة والعلمنة القسرية
الإيغور والهوي في قلب التحولات
يتركز الإسلام في الصين أساساً بين قوميتي الإيغور والهوي، إضافة إلى أقليات مسلمة أخرى موزعة في أنحاء البلاد. وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الرقابة الحكومية على المظاهر الدينية، خاصة في إقليم شينجيانغ، ما أدى إلى تغيرات واضحة في طبيعة التدين بين الشباب المسلمين.
الباحث الألماني ادريان زينيتس أشار في تحليلات حديثة إلى أن جزءاً من الشباب الإيغوري في المدن الكبرى أصبح يتجنب إظهار الالتزام الديني العلني خوفاً من القيود الأمنية أو فقدان فرص العمل والتعليم. ويرى أن “الضغط السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير العقيدة، لكنه قد ينتج علمنة قسرية أو تراجعاً ظاهرياً عن التدين”.
وتؤكد تقارير بحثية حديثة أن كثيراً من المسلمين في الصين باتوا يفضلون ممارسة التدين بصورة خاصة داخل المنازل أو الدوائر المغلقة بعيداً عن الأنظار، في ظل تشديد الرقابة على المساجد والتعليم الديني والأنشطة الإسلامية العامة.
التدين الخاص وصعود الهوية الفردية
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت أنماط جديدة من التدين بين بعض المسلمين الصينيين، خاصة بين الشباب الجامعي. فبدلاً من الانخراط في مؤسسات دينية علنية، أصبح بعضهم يمارس شعائره بصورة فردية أو رقمية عبر الإنترنت.
الباحث الأميركي ديفيد ستروب ذكر في دراسة نشرتها مجلة العرقيات الآسيوية خلال 2025 أن بعض المسلمين الجدد الذين اعتنقوا الإسلام عبر الجامعات أو منصات التواصل الاجتماعي عادوا لاحقاً إلى أنماط حياة أكثر علمانية بسبب الضغوط العائلية والخوف من الوصم الأمني والاجتماعي.
وترى الدراسة أن ضعف المؤسسات الدينية المستقلة وصعوبة بناء مجتمعات إسلامية مفتوحة داخل البيئة الصينية الحالية يدفعان بعض المعتنقين الجدد إلى التراجع عن التزامهم الديني العلني.
قومية الهان والإسلام.. انجذاب ثقافي وروحي
ورغم القيود المفروضة على النشاط الديني، ما يزال الإسلام يجذب بعض أبناء قومية الهان، وهي الأغلبية السكانية في الصين. ويأتي هذا الاهتمام غالباً من خلال التصوف والثقافة الإسلامية وفكرة الانضباط الأخلاقي.
ويرى باحثون أن بعض الشباب الصيني ينظر إلى الإسلام باعتباره نموذجاً روحياً وأخلاقياً في مجتمع يشهد تحولات اقتصادية وثقافية متسارعة وهيمنة متزايدة للنزعة المادية والاستهلاكية.
لكن هذا الانجذاب يبقى محدوداً وحذراً بسبب الحساسية السياسية المرتبطة بالملف الديني، خاصة مع الرقابة المتزايدة على النشاطات الفكرية والثقافية ذات الطابع الإسلامي.
روسيا.. الإسلام بين العودة الدينية والعلمنة الحديثة
تاريخ إسلامي عميق داخل الدولة الروسية
يختلف المشهد الروسي عن الصين بسبب الجذور التاريخية العميقة للإسلام داخل الاتحاد الروسي، خصوصاً في جمهوريات تتارستان والشيشان وداغستان وبشكيريا.
وتشير تقديرات ديموغرافية حديثة إلى أن المسلمين يشكلون ما بين 10 و15% من سكان روسيا، مع استمرار النمو السكاني للمجتمعات المسلمة بفعل معدلات الولادة والهجرة القادمة من آسيا الوسطى.
الباحث الروسي أليكسي مالاشينكو يرى أن الإسلام في روسيا يعيش “ازدواجية معقدة”. فمن جهة هناك عودة دينية واضحة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة فتح آلاف المساجد والمؤسسات الإسلامية،
ومن جهة أخرى تتوسع بين الشباب المسلم نزعات علمانية واستهلاكية تقلل من الالتزام الديني التقليدي، خاصة في المدن الكبرى مثل موسكو وسانت بطرسبرغ.
المسلمون الجدد وضغوط المجتمع
تجربة المعتنقين الجدد للإسلام في روسيا تكشف جانباً آخر من التعقيد الاجتماعي والثقافي. فبعض الروس الذين اعتنقوا الإسلام خلال العقد الأخير واجهوا صعوبات في العلاقات العائلية أو بيئات العمل.
الباحث دينيس سوكولوف أوضح في دراسة صادرة عن مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا خلال 2025 أن عدداً من المسلمين الروس الجدد عادوا لاحقاً إلى المسيحية الأرثوذكسية أو إلى اللادينية نتيجة “الإرهاق الاجتماعي” والضغوط العائلية، خاصة في البيئات القومية المحافظة.
كما أشارت الدراسة إلى أن صورة الإسلام في بعض وسائل الإعلام الروسية، المرتبطة أحياناً بالتطرف أو الصراعات الأمنية في القوقاز، تجعل بعض المسلمين الجدد يشعرون بالعزلة أو القلق من الوصم الاجتماعي.
الإسلام كبحث عن اليقين الروحي
في المقابل، تؤكد دراسات أخرى أن الإسلام ما يزال يحتفظ بجاذبية قوية لدى بعض الشباب الروس الباحثين عن الانضباط الأخلاقي والهوية الروحية بعد عقود من الفراغ الأيديولوجي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
الباحثة الروسية إيلينا مولودياكوفا ترى أن بعض الروس الذين يعتنقون الإسلام يفعلون ذلك بدافع “البحث عن يقين أخلاقي وروحي” في مجتمع يشهد تغيرات ثقافية متسارعة وتصاعداً للنزعة الفردية.
ويعتقد مراقبون أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في روسيا دفعت بعض الشباب إلى البحث عن منظومة قيم أكثر وضوحاً واستقراراً، وهو ما يجعل الإسلام خياراً روحياً لدى بعض الفئات.
الاقتصاد والهجرة وإعادة تشكيل الهوية الدينية
تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية
تلعب التحولات الاقتصادية دوراً مهماً في تشكيل مستقبل الإسلام في الصين وروسيا. ففي روسيا، أسهمت الهجرة القادمة من آسيا الوسطى في زيادة الحضور الإسلامي داخل المدن الكبرى، ما خلق احتكاكاً ثقافياً واجتماعياً متزايداً.
أما في الصين، فإن التحولات الاقتصادية السريعة وسياسات الدمج القومي دفعت كثيراً من الشباب المسلمين إلى إعادة تعريف علاقتهم بالدين بما يتناسب مع متطلبات العمل والتعليم والحياة الحديثة.
ويرى خبراء أن التوتر بين الهوية الدينية ومتطلبات الاندماج الاقتصادي سيظل أحد أبرز التحديات خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توسع المدن وارتفاع تأثير الثقافة الرقمية العالمية.
هل يتجه الإسلام نحو “الخصوصية”؟
التدين الفردي بديلاً عن الحضور الجماعي
أحد أبرز الاتجاهات التي ترصدها الدراسات الحديثة هو انتقال الإسلام في الصين وروسيا من المجال الجماعي إلى المجال الفردي أو الخاص. فبدلاً من التدين التقليدي المرتبط بالمؤسسات والمساجد، تظهر أنماط أكثر فردية ومرونة في الممارسة الدينية.
ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى نشوء “إسلام هادئ” أقل ظهوراً في المجال العام لكنه أكثر رسوخاً على المستوى الشخصي، بينما يرى آخرون أن استمرار الضغوط السياسية والاجتماعية قد يسرّع من عمليات العلمنة التدريجية، خاصة بين الأجيال الجديدة.
مستقبل الإسلام في الصين وروسيا
بين البقاء وإعادة التشكل
رغم التحديات السياسية والاجتماعية، لا تبدو المؤشرات الحالية متجهة نحو تراجع شامل للإسلام في الصين وروسيا، بل نحو إعادة تشكيل أنماط التدين والهوية الإسلامية بما يتلاءم مع البيئة السياسية والاجتماعية الجديدة.
في روسيا، يُتوقع أن يستمر النمو العددي للمسلمين بفعل الديموغرافيا والهجرة، لكن مع اتساع الفجوة بين التدين التقليدي وأنماط الحياة الحديثة. أما في الصين، فستظل العلاقة بين الدولة والإسلام العامل الحاسم في تحديد مستقبل الهوية الدينية للمسلمين.
ويرى مراقبون أن العقود المقبلة قد تشهد انتقال الإسلام في البلدين من مرحلة “الحضور المجتمعي الواسع” إلى مرحلة “الهوية المرنة”، حيث يحتفظ الأفراد بالإيمان بصورة أكثر خصوصية وأقل صداماً مع الدولة والمجتمع.
وفي النهاية، تكشف التجربتان الصينية والروسية أن مستقبل الأديان لا يتحدد فقط بعدد الأتباع، بل أيضاً بقدرة المجتمعات على التوفيق بين الهوية الروحية ومتطلبات السياسة والاقتصاد والتحولات الثقافية المتسارعة.