ارث شيخ الأزهر أحمد الدمنهوري

احمد لطفي السيد

في الوقت الذي ركزت فيه معظم الدراسات التاريخية والفكرية التي حاولت رصد ملامح اليقظة والإصلاح في الواقع العربي والإسلامي قبيل الحملة الفرنسية على منجز الإمامين الزبيدي والشوكاني، ظلَّ إرث الشيخ أحمد الدمنهوري- شيخ الأزهر الشريف- (ت: ١١٩٢ه‍= ١٧٧٩م)، مغمورًا في الظلام، رغم أنه يمثل حلقة وصل حاسمة في تاريخنا الفكري. فقراءة فاحصة لمنتجه المعرفي تكشف عن عقلية إصلاحية فذة، ويمكن القول: إن ريادة مُنجزه تجلت في مسارين رئيسيين:
أولًا: الانفتاح الفقهي ونبذ التعصب: فلم يقف الشيخ الدمنهوري عند حدود مذهب بعينه، بل تجاوز التعصب المذهبي السائد بكتابته وتصانيفه في المذاهب الأربعة كافة. بل إن همته العلمية دفعته لإحياء المذهب الحنبلي فكتب فيه بعد أن كاد يندثر في مصر، وقد كان هذا سببًا في أن يُطلق عليه بعضهم ” شيخ المذاهب الأربعة ” مما يرسخ لنهج عقلاني مرن في التعامل مع التراث الفقهي.
ثانيًا: الموسوعية العلمية الشاملة: فقد تخطت كتابات الدمنهوري حدود العلوم الشرعية التقليدية ليقتحم مجالات العلوم التطبيقية الدقيقة؛ فصنف في الفلك، والجيولوجيا (علوم الأرض)، والصيدلة، والطب، والرياضيات. هذا العطاء العلمي المتنوع -وإن غلب عليه الطابع التجميعي- يعيد أمامنا إحياء نموذج ” العالم الموسوعي” الذي ظل علامة في الحياة الثقافية والعلمية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
وبناء على ذلك أقول: إن نفض الغبار عن إرث الشيخ أحمد الدمنهوري وإخضاعه لدراسات بحثية جادة ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة منهجية ملحة.

اترك تعليقا