اجتماع سري للقوى النووية الخمس في الدار البيضاء
هل يسعى العالم لتجنب مواجهة نووية كبرى؟
- محمود الشاذلي
- 2 يونيو، 2026
- تقارير
- الدار البيضاء, الدول النووية الخمس, الصين وفرنسا, الولايات المتحدة وروسيا, سيرغي ريابكوف, مجلس الأمن الدولي
في تطور يعكس حجم القلق المتزايد بشأن مستقبل الأمن الدولي، استضافت مدينة الدار البيضاء المغربية اجتماعاً سرياً ضم خبراء ودبلوماسيين رفيعي المستوى يمثلون الدول النووية الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا.
وجاء الكشف عن الاجتماع عبر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الذي أشار إلى انعقاده في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد التحديات المرتبطة بالاستقرار الاستراتيجي العالمي، في وقت تشهد فيه الساحة الدولية أزمات متشابكة تمتد من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة لكونه جمع ممثلين عن أكبر القوى النووية في العالم في وقت تواجه فيه منظومة الحد من التسلح واحدة من أصعب مراحلها منذ نهاية الحرب الباردة. فالعلاقات بين موسكو وواشنطن تشهد توتراً غير مسبوق على خلفية الحرب في أوكرانيا، بينما تتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وسط مخاوف متزايدة من توسع دائرة الانتشار النووي عالمياً.
ويرى مراقبون أن الاجتماع يأتي في سياق الجهود الرامية إلى الحفاظ على قنوات الحوار بين القوى النووية الكبرى، خصوصاً مع استمرار التعثر في ملفات رئيسية تتعلق بالرقابة على التسلح النووي ومستقبل معاهدات الحد من الأسلحة الاستراتيجية.
وخلال النقاشات التي أعقبت الكشف عن الاجتماع، أكد الباحث في العلاقات الدولية عبد الهادي المزراري أن اللقاء يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى لخطورة المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أن العالم يشهد تحولات عميقة في موازين القوى الدولية وفي مفاهيم الردع والاستقرار التي حكمت العلاقات بين الدول النووية لعقود طويلة.
وأوضح أن الاجتماعات المغلقة من هذا النوع غالباً ما تُعقد بعيداً عن الأضواء عندما تكون القضايا المطروحة شديدة الحساسية، أو عندما يتعلق الأمر بملفات استراتيجية تتطلب قدراً كبيراً من السرية والتنسيق بين الأطراف المعنية.
من جانبه، اعتبر الباحث المختص في الشؤون الروسية سامر الياس أن أحد أبرز الملفات المطروحة يتمثل في مستقبل معاهدة “نيو ستارت”، التي تعد آخر اتفاقية رئيسية تنظم التوازن النووي بين الولايات المتحدة وروسيا. كما أشار إلى أن تنامي الاهتمام بامتلاك قدرات ردع نووية في عدد من مناطق العالم يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل نظام عدم الانتشار النووي.
وأضاف أن الخلافات بين واشنطن وبكين حول طبيعة التوازنات النووية المستقبلية تمثل تحدياً إضافياً أمام أي جهود دولية لإعادة بناء منظومة الحد من التسلح، خاصة في ظل التطور المتسارع للقدرات العسكرية الصينية.
أما المحلل السياسي حافظ الميرازي، فرأى أن الاجتماع يندرج ضمن إطار ما يعرف بـ”الدبلوماسية الهادئة”، التي تلجأ إليها القوى الكبرى لإدارة الخلافات الاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. وأشار إلى أن المؤشرات المتوافرة ترجح ارتباط اللقاء بالتحولات الجارية في البيئة الاستراتيجية الدولية أكثر من ارتباطه بملف أو أزمة بعينها.
ويحمل اختيار الدار البيضاء لاستضافة الاجتماع دلالات سياسية تتجاوز الجانب اللوجستي، إذ تتمتع المملكة المغربية بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، كما تحظى بسجل دبلوماسي جعلها في مناسبات عديدة أرضية مناسبة للحوار والتواصل بين أطراف متباينة المصالح.
كما أعاد الاجتماع إلى الواجهة الرمزية التاريخية للدار البيضاء، التي استضافت عام 1943 مؤتمر أنفا الشهير خلال الحرب العالمية الثانية، حين اجتمع قادة الحلفاء لبحث مستقبل الحرب والنظام الدولي في مرحلة مفصلية من التاريخ الحديث.
ورغم غياب أي بيان رسمي يكشف تفاصيل المناقشات أو النتائج التي انتهى إليها الاجتماع، فإن مجرد انعقاده يعكس إدراك القوى النووية الكبرى لحجم التحديات التي تواجه النظام الدولي. فالتوترات المتصاعدة، وتعثر مسارات الحد من التسلح، وتزايد المخاوف من انتشار القدرات النووية، كلها عوامل تدفع هذه الدول إلى الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة، باعتبارها أحد أهم الضمانات لتجنب أي تصعيد قد يهدد الأمن والاستقرار العالميين.
وفي ظل المشهد الدولي الراهن، ينظر إلى اجتماع الدار البيضاء باعتباره محطة مهمة في مسار الجهود الرامية إلى إدارة التنافس بين القوى الكبرى، والحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات الضرورية لمنع انزلاق العالم إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
المصدر: حوار على قناة DW العربية