إفريقيا .. هكذا تحولت القارة السمراء لأهم محركات النمو العالمي
وسط مطالبات بتعزيز التكامل الاقتصادي بين دولها
- abdelrahman
- 14 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, إفريقيا, التكنولوجيا المالية, الطاقة المتجددة, المعادن النادرة
الرائد : كان تُنظر دائما للقارة الإفريقية في الأدبيات الإستراتيجية بوصفها منطقة غنية بالموارد الطبيعية فقط ولكن هذه النظرة تغيرت أصبحت تمثل أحد أهم محركات النمو العالمي خلال العقود المقبلة، بفضل ثرواتها المعدنية، واتساع أسواقها، وارتفاع معدلات النمو السكاني، وتزايد أهميتها في سلاسل الإمداد العالمية.
وأجمعت تقارير المؤسسات الدولية علي أن مستقبل الاقتصاد العالمي سيكون مرتبطًا بدرجة متزايدة بما تحققه إفريقيا من نمو اقتصادي، وتكامل إقليمي، واستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري.
وفي هذا السياق رجحت تقارير الأمم المتحدة أن يتضاعف عدد سكان القارة تقريبًا بحلول منتصف القرن، ليقترب من ربع سكان العالم، بينما سيكون معظم هذا النمو في الفئات العمرية الشابة.
رئيس مجلس الأعمال الإفريقي سابقًا، هيشام الزبير، علق علي هذا التطور قائلا : الميزة الديموغرافية يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية كبيرة إذا رافقتها استثمارات واسعة في التعليم والصحة وفرص العمل.
ثروة من المعادن النادرة
ومن الثابت القول إن إفريقيا تملكاحتياطيات ضخمة من الكوبالت، والمنجنيز، والبلاتين، والكروم، والليثيوم، والنحاس، والعناصر الأرضية النادرة، وهي معادن أصبحت أساسية لصناعات البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والإلكترونيات المتقدمة.
وتشير الوكالة الدولية للطاقة منجانبها إلى أن الطلب العالمي على هذه المعادن سيواصل الارتفاع مع توسع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
مدير برنامج إفريقيا في تشاتام هاوس، أليكس فاينز، اوضح كذلك أن القارة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في أمن سلاسل التوريد العالمية، وأن أهميتها لن تقتصر على تصدير المواد الخام، بل ستزداد إذا نجحت في تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها.
وعلي الصعيد الاقتصادي الاقتصادي، تمثل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أكبر مشروع تكامل اقتصادي في القارة منذ تأسيس الاتحاد الإفريقي. ووفق البنك الدولي، يمكن للاتفاقية أن تعزز التجارة البينية، وترفع مستويات الدخل، وتزيد جاذبية إفريقيا للاستثمارات الصناعية واللوجستية.
ومن جانبه أوضح ، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي لإفريقيا، ألبرت زوفاك أن نجاح منطقة التجارة الحرة سيعتمد على تطوير البنية التحتية، وتسهيل حركة البضائع، وخفض الحواجز الإدارية بين الدول الإفريقية.
مشاريع الطاقة المتجددة
كما تشهد القارة توسعًا في مشاريع الطاقة المتجددة، مستفيدة من إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية. وتشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن إفريقيا تمتلك أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، ما يجعلها مرشحة لتكون مركزًا مهمًا لإنتاج الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر.
وفي قطاع التكنولوجيا، تنمو منظومات الشركات الناشئة في دول مثل كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا ورواندا ومصر، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية، والزراعة الرقمية، والتعليم الإلكتروني، والخدمات الصحية. ويرى إبينيزر نكوسي، الباحث في اقتصاد الابتكار الإفريقي، أن التحول الرقمي يمنح القارة فرصة لتجاوز بعض مراحل التنمية التقليدية.
أما في المجال الجيوسياسي، فقد أصبحت إفريقيا ساحة لتوسع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع قوى دولية وإقليمية متعددة، من خلال مشروعات البنية التحتية، والطاقة، والاتصالات، والتعدين، والزراعة، والتعليم. ويشير بول نونتيل، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، إلى أن الدول الإفريقية أصبحت تمتلك هامشًا أكبر لتنويع شراكاتها الخارجية بما يخدم أولوياتها التنموية.
كما تتزايد أهمية الأمن الغذائي، إذ تمتلك إفريقيا نحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة الصالحة للزراعة في العالم، وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة ، وهو ما يمنحها دورًا محوريًا في تلبية الطلب العالمي المتزايد على الغذاء إذا توافرت الاستثمارات والبنية التحتية المناسبة.
تحديات كبيرة
ولكن هذه الموجة المتفائلة بمستقبل اقتصادي واعد لإفريقيا إلا أن هذا لا يلغي وجود تحديات كبيرة، تشمل فجوات البنية الأساسية، وارتفاع تكاليف التمويل، وآثار تغير المناخ، والنزاعات في بعض المناطق، إضافة إلى الحاجة لتطوير التعليم والتدريب المهني وتحسين بيئة الاستثمار.
وبدوره يري المفوض التنفيذي السابق للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، كارلوس لوبيز،أن مستقبل القارة لن يتحدد بوفرة مواردها، بل بقدرتها على تصنيع هذه الموارد، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دولها.
وتخلص تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الإفريقي وUNECA إلى أن إفريقيا مرشحة لأن تصبح أحد أهم مراكز النمو العالمي خلال العقود القادمة، إذا نجحت في الاستثمار في الإنسان، وتطوير الصناعة، وتعزيز التجارة البينية، والاستفادة من مواردها الطبيعية بصورة مستدامة.
ويجمع الباحثون على أن أهمية إفريقيا في النظام الدولي لم تعد ترتبط فقط بالمعادن أو الطاقة، بل أصبحت تشمل السكان، والأسواق، والابتكار، والزراعة، والاقتصاد الرقمي، والموقع الجغرافي، مما يجعلها أحد أهم الأقاليم المؤثرة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.