إسرائيل تقصف جنوب لبنان

رغم تهدئة بيروت الهشة

علي الرغم من نجاح الاتصالات الأمريكية في منع ضربة إسرائيلية واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن المعارك المستمرة في جنوب لبنان تكشف أن التهدئة الحالية لا تزال هشة ومؤقتة. فبينما أوقفت إسرائيل تهديداتها المباشرة للعاصمة اللبنانية، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في الجنوب، ما يؤكد أن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها “احتواء التصعيد دون إنهائه“.

منذ اندلاع المواجهة الحالية في مارس الماضي، تحولت الجبهة اللبنانية إلى إحدى أخطر ساحات الصراع في الشرق الأوسط. وتشير الأرقام المعلنة إلى مقتل أكثر من 3400 شخص في لبنان مقابل عشرات القتلى في الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون لبناني من مناطقهم، ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها العسكري لتتحول إلى كارثة إنسانية متفاقمة.

لماذا أوقفت إسرائيل الهجوم على بيروت؟

يرى الخبير العسكري اللبناني خليل الحلو أن التدخل الأمريكي المباشر يعكس خشية واشنطن من خروج الحرب عن السيطرة في لحظة تشهد فيها المنطقة توترات متزامنة بين الولايات المتحدة وإيران. ويؤكد أن استهداف الضاحية الجنوبية كان سيؤدي على الأرجح إلى رد أكبر من حزب الله وربما تدخلات إقليمية أوسع.

أما الباحث الإسرائيلي يوسي ميلمان فيرى أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى الحفاظ على الضغط العسكري ضد حزب الله مع تجنب استهدافات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

إيران ترفع سقف التهديدات

التطور الأبرز تمثل في الموقف الإيراني الذي ربط بين وقف إطلاق النار في لبنان وأي تفاهمات أوسع مع واشنطن. كما حملت تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف دلالات مهمة عندما لوح بإمكانية الانتقال إلى مواجهة مباشرة إذا استمرت الضربات الإسرائيلية.

ويرى خبراء العلاقات الدولية أن هذه التصريحات تهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد إسرائيلي ضد لبنان، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم الترابط بين ملفات لبنان وغزة والبرنامج النووي الإيراني والمفاوضات الأمريكية الإيرانية.

الموقف الأمريكي: احتواء لا تسوية

تسعى إدارة دونالد ترامب إلى منع انفجار إقليمي شامل قد يهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتؤكد وجود قنوات غير مباشرة لنقل الرسائل بين مختلف الأطراف.

ويرى الباحث الأمريكي آرون ديفيد ميلر أن واشنطن لا تبحث حالياً عن اتفاق سلام شامل، بل عن إدارة الأزمة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية واسعة تشمل إيران وإسرائيل ولبنان في آن واحد.

ردود الفعل الدولية

الأمم المتحدة

دعت الأمم المتحدة إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، محذرة من أن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي إلى مزيد من النزوح والانهيار الاقتصادي في لبنان.

كما طالبت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) جميع الأطراف بضبط النفس وتجنب استهداف المناطق المدنية.

الاتحاد الأوروبي

أكد الاتحاد الأوروبي دعمه لأي جهود تؤدي إلى وقف إطلاق النار، مع التشديد على ضرورة احترام سيادة لبنان وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالحدود الجنوبية.

روسيا والصين

دعت كل من روسيا والصين إلى وقف فوري للأعمال القتالية، معتبرتين أن الحل العسكري لن يحقق الاستقرار في المنطقة.

المواقف العربية والإسلامية

أعربت عدة دول عربية وإسلامية عن قلقها من احتمال توسع الحرب، ودعت إلى وقف شامل لإطلاق النار.

وشددت منظمة التعاون الإسلامي على ضرورة حماية المدنيين ووقف الاعتداءات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.

كما أكدت جامعة الدول العربية دعمها للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

موقف المنظمات الحقوقية

طالبت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني من جميع الأطراف.

وحذرت من أن استهداف المناطق المأهولة بالسكان قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من أعداد الضحايا والنازحين.

هل يمكن الوصول إلى حل؟

يرى المراقبون أن فرص التسوية لا تزال قائمة لكنها تواجه عقبات كبيرة، أبرزها:

إصرار إسرائيل على إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله.

تمسك حزب الله بربط أي تهدئة بضمانات شاملة للبنان.

ارتباط الملف اللبناني بالصراع الإيراني الإسرائيلي.

غياب إطار سياسي نهائي لمعالجة أسباب النزاع.

وتتمثل أبرز المقترحات المطروحة حالياً في:

توسيع وقف إطلاق النار ليشمل كامل الأراضي اللبنانية.

انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تقدمت إليها مؤخراً.

انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.

تفعيل دور قوات اليونيفيل.

إطلاق مسار سياسي برعاية دولية لمعالجة الملفات الأمنية العالقة.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: تثبيت التهدئة

نجاح محادثات واشنطن قد يؤدي إلى وقف تدريجي للعمليات العسكرية وتوسيع نطاق الهدنة، وهو السيناريو الذي تدعمه الولايات المتحدة وأوروبا.

السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة

استمرار الضربات المحدودة والردود المتبادلة دون انتقال إلى مواجهة شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.

السيناريو الثالث: انفجار إقليمي واسع

إذا استؤنفت الهجمات على بيروت أو تدخلت إيران بشكل مباشر، فقد تنتقل المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة تشمل عدة جبهات في وقت واحد.

التراجع الإسرائيلي عن استهداف بيروت خفف خطر الانفجار الفوري، لكنه لم ينهِ الحرب. فالمعارك في جنوب لبنان مستمرة، والتهديدات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله وإيران ما زالت قائمة.

وبينما تحاول واشنطن تثبيت تهدئة مؤقتة، يبقى مستقبل الصراع مرتبطاً بقدرة الأطراف على تحويل وقف التصعيد الحالي إلى اتفاق سياسي وأمني أوسع يمنع عودة المنطقة إلى دوامة الحرب الشاملة.

اترك تعليقا