أهداف الاحتلال من تخصيص أراض فلسطينية لتوسيع السفارة الأمريكية بالقدس

فرض الأمر الواقع في المدينة المقدسة أهمها

 الرائد :أثار قرار سلطات الكيان الصهيوني  تخصيص أراضٍ فلسطينية مُصادرة في القدس المحتلة لصالح مشروع إنشاء أو توسعة مجمع السفارة الأمريكية موجة واسعة من الإدانات الفلسطينية والعربية والإسلامية، باعتباره خطوة جديدة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المدينة المقدسة، وتكريس الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل.

واعتبر مراقبون أن القرار يتجاوز كونه إجراءً عقاريًا أو إداريًا، ليحمل أبعادًا سياسية وقانونية واستراتيجية، خاصة أنه يتعلق بأراضٍ يعتبرها الفلسطينيون جزءًا من الأراضي المحتلة التي ينطبق عليها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

ووفي هذا السياق يسعي الكيان الصهيوني  من خلال هذه الخطوة إلى تثبيت الأمر الواقع في القدس المحتلة، وإرسال رسالة مفادها أن المدينة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السيادة الإسرائيلية، وأن أي مفاوضات مستقبلية بشأن وضع القدس يجب أن تنطلق من الوقائع التي فرضتها على الأرض.

ومنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة تقوم على توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتغيير التركيبة السكانية، بهدف تقليص فرص إقامة عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية.

تعميق الاعتراف الأمريكي

كما يهدف القرار إلى تعميق الاعتراف الأمريكي الذي بدأ مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018، عبر تحويل الوجود الدبلوماسي الأمريكي إلى مشروع دائم وأكثر اتساعًا.

وتدرك تل أبيب أن إقامة مجمع دبلوماسي جديد أو توسعة المجمع الحالي على أراضٍ فلسطينية مصادرة يمنح الاحتلال مكسبًا سياسيًا ورمزيًا، إذ يعزز الانطباع بأن المجتمع الدولي بدأ يتكيف مع الواقع الذي فرضته إسرائيل، حتى وإن كانت غالبية دول العالم لا تزال تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة.

ومن بين حزمة الأهداف التي يسعي الاحتلال لتحقيقها من وراء هذه الخطوة أيضًا تشجيع المزيد من الدول على نقل سفاراتها إلى القدس.

فرغم أن عددا محدودا من الدول اتخذ هذه الخطوة، فإن تل أبيب تراهن على أن استمرار الوجود الأمريكي القوي في المدينة قد يدفع دولًا أخرى إلى اتخاذ قرارات مماثلة مستقبلًا، بما يضعف الإجماع الدولي الرافض للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة.

وعلى الصعيد الداخلي، يوفر القرار مكاسب سياسية للحكومة الإسرائيلية، إذ ينسجم مع برامج الأحزاب اليمينية والقومية التي ترفض أي حديث عن تقسيم القدس أو التفاوض بشأنها. كما يمثل رسالة إلى القاعدة الانتخابية لهذه الأحزاب بأن الحكومة مستمرة في تنفيذ مشروعها القائم على توسيع السيطرة الإسرائيلية وتعزيز الاستيطان، رغم الانتقادات الدولية.

أما الفوائد التي تتطلع تل أبيب إلى تحقيقها فتتمثل في تكريس السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي المصادرة، وتعزيز الاستثمارات والبنية التحتية في القدس الغربية والشرقية، وربط المشروعات الدبلوماسية والعمرانية بالمخططات الاستيطانية، بما يجعل أي تراجع مستقبلي عن هذه الإجراءات أكثر صعوبة من الناحية السياسية والعملية.

الرهان علي الوقت

كذلك تراهن إسرائيل على أن مرور الوقت سيؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية، خاصة في ظل انشغال العالم بأزمات دولية أخرى، وهو ما يمنحها فرصة لمواصلة فرض الوقائع على الأرض دون ضغوط كبيرة. كما أن استضافة منشآت دبلوماسية أجنبية على أراضٍ متنازع عليها قد تستخدمها إسرائيل لاحقًا للدفاع عن روايتها السياسية بشأن القدس.

في المقابل، فقد واجه  القرار رفضا فلسطينيا واسعا، حيث أكدت القيادة الفلسطينية أن الأراضي المخصصة للمشروع هي أراضٍ فلسطينية خاصة تمت مصادرتها بصورة مخالفة للقانون الدولي، وأن استخدامها لإقامة منشآت دبلوماسية يعد انتهاكًا جديدًا لحقوق الشعب الفلسطيني.

كما اعتبرت الفصائل الفلسطينية أن الخطوة تمثل امتدادًا لسياسات الاستيطان والضم، وتهدف إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

ويرى الفلسطينيون أن هذه الإجراءات تشكل خرقًا واضحًا لقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد عدم شرعية ضم القدس الشرقية أو تغيير طابعها الديموغرافي والجغرافي، وتعتبر جميع الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 باطلة من منظور القانون الدولي. لذلك تتجه السلطة الفلسطينية إلى مواصلة التحرك في المحافل الدولية، ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط لوقف الإجراءات الإسرائيلية، وعدم الاعتراف بأي آثار قانونية تترتب عليها.

أما على المستوى العربي والإسلامي، فمن المتوقع أن تتواصل بيانات الإدانة والرفض الصادرة عن الحكومات والمنظمات الإقليمية، مع التأكيد على أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأن أي تغيير في وضعها القانوني أو الجغرافي يعد باطلًا ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. كما تشدد الدول العربية والإسلامية على التمسك بحل الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

خرق القانون الدولي

ورغم أن المواقف العربية والإسلامية تتسم بوحدة الموقف السياسي المعلن، فإن تأثيرها العملي يظل مرتبطًا بقدرة هذه الدول على توظيف أدواتها الدبلوماسية والقانونية في المحافل الدولية، إضافة إلى تنسيق الجهود مع القوى الدولية التي لا تزال تتمسك بعدم الاعتراف بضم القدس.
ومن المهم الإشارة هنا أن هذا القرار ، بتخصيص أراضٍ فلسطينية مصادرة لمشروع السفارة الأمريكية يعكس استمرار الصراع حول هوية القدس ومستقبلها، ويؤكد أن المدينة ستظل في صلب النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبينما ترى إسرائيل في القرار خطوة لترسيخ سيادتها وتعزيز مكاسبها السياسية والدبلوماسية، يعتبره الفلسطينيون ومعظم الدول العربية والإسلامية انتهاكًا جديدًا للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني، بما قد يزيد من حدة التوتر ويعقد فرص التوصل إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة

اترك تعليقا