أمة أقسم ربها بالقلم!
د جمال عبد الستار يكتب
- dr-naga
- 9 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- أمة, أمة أقسم ربها بالقلم, القرآن, القلم
ليس من عادة القرآن أن يُقسِم إلا بما يحمل في طياته سرًّا من أسرار هذا الوجود، أو قانونًا من قوانين الهداية والعمران، أو مفتاحًا من مفاتيح الاستخلاف، فإذا أقسم الله بالقلم، فليس لأنه يكتب الكلمات، وإنما لأنه يكتب مصائر الأمم؛ فكل رسالةٍ خالدة حفظها قلم، وكل حضارة شامخة بدأت بقلم، وكل نهضة صادقة وُلدت من فكرة خطها قلم، وكل انحطاط بدأ يوم سقط القلم من يد أصحابه، أو بقي في أيديهم وقد ماتت رسالته.
ومن هنا جاء ذلك القسم المهيب الذي تتردد أصداؤه في أعماق التاريخ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)؛ ليعلن أن معركة الإنسان الأولى ليست معركة الحديد، وإنما معركة الفكر، وأن أعظم ما يملكه الإنسان ليس قوة يده، وإنما نور عقله، وأن الأمم لا ترتفع بما تملك، وإنما بما تكتب، ولا تُخلَّد بما تبني من قصور، وإنما بما تخلّف من علوم، وما تورث من معارف، وما تغرس في العقول من هداية.
ولذلك لم يكن أول خطابٍ من السماء إلى الأرض أمرًا بحمل السيف، ولا ببسط السلطان، ولا بجمع الثروة، وإنما كان كلمةً واحدة تحمل فلسفة الرسالة كلها: (اقْرَأْ) (العلق: 1)، ثم كشف الوحي عن الوسيلة التي تحفظ المعرفة وتصنع تراكمها فقال: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق)، ثم جاء القسم بالقلم ليكتمل البناء؛ فكأن القرآن يرسم للأمة طريق بقائها في ثلاث كلمات: اقرأ لتبصر، واكتب لتحفظ، وبلِّغ لتعمر.
إن القراءة تُوقظ العقل، والكتابة تحفظ العلم، والدعوة تنقل النور إلى الناس، ومن اجتماعها يولد الإنسان الذي يبني الحضارة، ولذلك لم يجعل القرآن القلم وسيلة للثقافة فحسب، بل جعله وعاء الرسالة، وذاكرة الأمة، ولسان التاريخ، والجسر الذي تعبر عليه الخبرات من جيل إلى جيل، فلولا القلم لانقطعت العلوم بموت أصحابها، ولعاد كل جيل يبدأ من الصفر، ولضاعت السنن، واندثرت التجارب، وانطفأت أنوار الهداية في زحام الأيام.
إن القلم أعظم استثمار في الزمن؛ لأنه يحول العمر المحدود إلى أثر لا تحده الأعمار، فقد يعيش الإنسان ستين عامًا، فإذا أخلص قلمه عاش قرونًا بعد موته، وما تزال كلماته تنبض بالحياة، وتربي العقول، وتزكي الأرواح، وتوقظ الأمم، ولذلك كانت الكتابة الصادقة لونًا من الخلود، لا خلود الأجساد، وإنما خلود الرسالة.
ولم يكن غريبًا أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أول معركة فاصلة في الإسلام، فداء بعض أسرى «بدر» أن يعلموا أبناء المسلمين الكتابة، إنها ليست معالجة لأمية عابرة، وإنما إعلان نبوي بأن بناء الإنسان يسبق بناء السلطان، وأن الأمة لا تنتصر حين تكسب معركة، وإنما حين تُحسن صناعة العقل الذي لن يُهزم بعد ذلك، فالغنائم تنفد، أما المعرفة فتولد معرفة، والعلم إذا انتشر صار قوة لا تُقهر.
ولهذا أدرك سلف الأمة أن القلم ليس أقل شأنًا من السيف، بل ربما كان أسبق أثرًا وأبقى نفعًا، فشاع على ألسنتهم أن مداد العلماء يوازن دماء الشهداء؛ فلإن كان الشهيد يحرس حدود الأمة بدمه، فإن العالم يحرس عقيدتها ووعيها بقلمه، وإذا ضاعت العقيدة، ضاعت الحدود تبعًا لها.
وما تزال الأمة، بعد مئات السنين، تعيش في ظلال أقلام أئمتها؛ فما زالت تفتح تفسير «الجامع لأحكام القرآن»، وتغترف من «مفاتيح الغيب»، وتتربى على «إحياء علوم الدين»، وتحيا بـ«مدارج السالكين»، وكأن أصحابها ما زالوا بين الناس؛ لأن الأجساد واراها التراب، أما الأقلام فقد بقيت تنبض بالحياة، وتؤدي رسالتها، وتجدد شبابها مع كل قارئ جديد.
ولذلك، كانت الحضارة الإسلامية حضارة كتاب قبل أن تكون حضارة قصر، وحضارة مكتبة قبل أن تكون حضارة قلعة، ولم يكن ازدهارها يوم كثرت جيوشها فحسب، بل يوم امتلأت مدارسها، وعمرت مساجدها بحلقات العلم، وازدحمت خزائنها بالمصنفات، حتى غدا الكتاب أعظم ثروة، والقلم أشرف آلة، والعالم سيدًا في مجتمعه؛ لأن الأمة كانت تدرك أن الذي يملك المعرفة يملك زمام المستقبل.
وما أحوجنا اليوم إلى استرداد هذا المعنى، فإن أخطر ما أصاب أمتنا ليس فقر المال، ولا ضعف السلاح، وإنما ضعف سلطان القلم، ويوم هجرنا ميادين البحث، وتراجعنا عن صناعة المعرفة، اكتفى كثير منا باستهلاك ما ينتجه غيره، حتى صرنا نقرأ أنفسنا بأقلام الآخرين، ونفهم تاريخنا من خلال روايات خصومنا، ونقيس نجاحنا بمقاييس لم يصنعها الوحي، ولا أبدعتها حضارتنا.
لقد تغيرت ميادين الصراع، ولم تعد أخطر الحروب تلك التي تُخاض على الحدود، بل التي تُخاض على العقول، فالمناهج، والجامعات، ومراكز الدراسات، والكتب، والمنصات الرقمية، والأبحاث، والروايات، والإعلام؛ كلها أقلام بأشكال مختلفة، ترسم الوعي، وتعيد تشكيل الإنسان، وتصوغ صورة الماضي، وتكتب ملامح المستقبل، ومن ملك القلم، ملك القدرة على قيادة التاريخ.
ولذلك، فإن الأمة التي أقسم ربها بالقلم لا يليق بها أن تكون أمة تستورد أفكارها، أو تعيش على هوامش إنتاج غيرها، أو تكتفي بقراءة ما يكتبه الآخرون، إنها أمة خُلقت لتقرأ، وتفكر، وتكتب، وتُعلِّم، وتشهد على الناس، وتبني الحضارة باسم الله، فالقلم في الإسلام ليس ترفًا ثقافيًا، ولا هواية ذهنية، وإنما عبادة إذا أُخلصت، ورسالة إذا صَدقت، وجهاد إذا دافعت عن الحق، وصدقة جارية إذا أورثت علمًا نافعًا، وعمران إذا صنعت إنسانًا يعرف ربه، ويعرف رسالته، ويعرف طريقه.
إن السيف قد يحمي حدود الأوطان، ولكن القلم هو الذي يحمي حدود الإيمان، والسيف قد يفتح مدينة، أما القلم فيفتح عقلًا، والسيف قد يفرض واقعًا، أما القلم فيصنع مستقبلًا، وإذا كان السيف يحرس الحضارة، فإن القلم هو الذي يلدها ابتداءً، ويغذيها بعلومه، ويجدد شبابها كلما أوشكت على الذبول.«والقلم وما يسطرون».. أمة أقسم ربها بالقلم!
فيا أمة أقسم ربها بالقلم، عودي إلى قلمك، فإن طريق النهضة يبدأ من هناك، أعيدي للكلمة قدسيتها، وللعلم مكانته، وللباحث رسالته، وللمعلم شرفه، وللكاتب مسؤوليته، واكتبي للعالم من نور الوحي، كما كتب أسلافك يوم كانوا أمناء على رسالة السماء، لا مقلدين لأهل الأرض.
يوم يعود القلم إلى يدي الأمة؛ يعود العقل إلى مكانه، ويعود الوعي إلى صفائه، ويعود التاريخ يكتب بلغتها، لا بلغة غيرها، وحينئذ فقط تستحق أن تكون بحق أمة أقسم ربها بالقلم.
د جمال عبد الستار – استاذ بالازهر
