أزمة القدرة على المعيشة تهدد الحلم الأمريكي

جينيفر ميرسيكا/ مجلة فورتشن

لماذا أصبح الحلم الأمريكي بعيد المنال؟

يخرج الناس في أنحاء أوروبا إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من ارتفاع أسعار الغذاء، وتعذر الحصول على مساكن بأسعار مناسبة، وجمود الأجور، وتراجع الخدمات العامة. والأمريكيون يشعرون بالإحباط نفسه، فقد أصبحت القدرة على تحمل تكاليف المعيشة القضية الأولى في انتخابات التجديد النصفي هذا العام.

إن الإحباط الأمريكي من تكاليف الحياة بلغ مستوى يهدد استمرار الحلم الأمريكي، وربما يهدد تماسك البلاد نفسها.

إذا كان الحلم الأمريكي وعداً قطعته الدولة للعاملين بأن الاجتهاد والعمل الشاق سيقودان إلى الأمان الاقتصادي، فإن هذا الوعد لم يعد يتحقق كما كان.

أصبحت أمريكا أقل قدرة على توفير حياة ميسورة مما كانت عليه قبل أجيال. فالعشاء في مطعم ماكدونالدز لأسرة مكونة من خمسة أفراد كان يتطلب في عام 1955 ما يعادل ثلاث ساعات من العمل بأجر الحد الأدنى، بينما أصبح اليوم يتطلب ما يقارب يوم عمل كامل من ثماني ساعات.

أما شراء منزل، فقد أصبح أقل قدرة على التحمل بالنسبة للأسرة الأمريكية المتوسطة بأكثر من النصف مقارنة بعام 1960.

إن القدرة على تحمل التكاليف لا تعني فقط الفارق بين أسعار السلع وما يستطيع الإنسان دفعه، بل تكشف مجموعة أوسع من الفجوات: الفجوة بين فاحشي الثراء وبقية المجتمع، وبين لغة الاقتصاديين وخبراء الأسواق وتجارب الناس اليومية، وبين الأجر الذي يبقي الإنسان في دائرة الفقر والأجر الذي يوفر حياة كريمة، وبين وعود السياسيين وما ينفذونه بالفعل.

أصبحت هذه القضية التعبير السياسي الأبرز عن أزمة المجتمع الأمريكي؛ فبالنسبة إلى كثيرين، وربما أغلبية الناس، يبدو أن النظام الاقتصادي لم يعد يعمل لمصلحتهم.

الأرقام الاقتصادية لا تحكي القصة كاملة

من الصعب اختزال الوضع الاقتصادي لدولة في مؤشر واحد، كما يصعب تعميم الظروف الاقتصادية للأفراد، لأن الناس يختلفون في أعمارهم ودخولهم ومدخراتهم وديونهم وأحجام أسرهم وتكاليف السكن والمعيشة.

وهذا التعقيد يجعل الأرقام الاقتصادية عرضة للتضليل عندما تُعرض بصورة منفصلة عن حياة الناس.

فالأخبار المالية تركز غالباً على أداء أسواق الأسهم، وأسعار الوقود والبيض، والتضخم والبطالة، لكن أياً من هذه المؤشرات، منفرداً أو مجتمعة، لا يقدم صورة كاملة.

يستخدم الاقتصاديون تعبير الاقتصاد ذي الشكل K لوصف حالة يتجه فيها الأغنياء إلى مزيد من الثراء، بينما تتراجع أوضاع الفئات الأقل دخلاً.

هذا التصوير يعبر عن تجربة يعيشها كثير من الأمريكيين؛ فأسواق الأسهم قد تسجل مستويات قياسية، بينما يضطر عدد كبير من الأسر إلى تقليص إنفاقها.

وهنا تكمن المشكلة: يستطيع المستثمرون الحديث عن مكاسب الأسواق والمؤشرات الوطنية، بينما يفكر المواطن العادي في الإيجار والفواتير وأسعار الغذاء والكهرباء والفائدة على القروض.

إن اللغة الاقتصادية الرسمية لا تعكس دائماً اللغة التي يستخدمها الناس لوصف معاناتهم.

حين يفقد الناس حرية الاختيار

ينبغي أن تعني القدرة على تحمل تكاليف المعيشة أن يمتلك الأمريكيون جميعاً حرية اختيار كيفية إنفاق أموالهم، أو حتى القدرة على عدم إنفاقها عندما لا يكون ذلك ضرورياً.

لكن الإيجارات مرتفعة، والرعاية الصحية مكلفة، ورعاية الأطفال باهظة، وأسعار الغذاء والوقود والخدمات الأساسية تزداد ثقلاً على الأسر.

أصبح كثير من الأمريكيين أمام خيارات محدودة: الدفع رغم عدم القدرة، أو استخدام بطاقات الائتمان، أو شراء السلع بالتقسيط وتأجيل السداد.

وهذا يعني أنهم لا يمتلكون حرية حقيقية في الاختيار.

ومن هنا يبرز السؤال السياسي: لماذا لا تتوافر خيارات أفضل في بلد يقدم نفسه باعتباره أرض الحرية؟

أزمة الثقة قبل أن تكون أزمة مالية

يمكننا تعريف المصطلحات ودراسة الإحصاءات وسرد قصص الأسر المتضررة، لكن فهم أزمة القدرة على المعيشة يتطلب وضع كل ذلك في سياق أوسع.

إنها أزمة ثقة، وانتهاك للوعد الذي قام عليه الحلم الأمريكي.

ففي بلد الحرية يشعر الناس بأنهم محاصرون، وفي بلد الشجاعة يشعرون بالإحباط والقلق والخوف على مستقبلهم.

لقد وعد السياسيون الأمريكيون مراراً بجعل الحياة أقل تكلفة وإعادة الحلم الأمريكي إلى متناول المواطنين، لكن الأوضاع سارت في الاتجاه المعاكس.

وأدى هذا الإحباط إلى تغذية الغضب وعدم الاستقرار والتطرف.

وفي العام الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، يشعر كثير من الأمريكيين بأنهم تُركوا خلف الركب، وأن أفضل أيام البلاد ربما أصبحت من الماضي.

إن أزمة القدرة على المعيشة ليست مجرد مشكلة في الحسابات الشخصية للأسر، بل أزمة وطنية في الثقة.

——-

الكاتبة: جينيفر ميرسيكا (Jennifer Mercieca)، أستاذة الاتصال والصحافة بجامعة تكساس إيه آند إم، ومتخصصة في تاريخ الخطاب السياسي الأمريكي.
المصدر: مجلة فورتشن، 5 نوفمبر 2026.

اترك تعليقا