أزمات اللوبي الصهيوني ( أيباك ) في أمريكا
الاغتراب والانفصال والتباعد
- dr-naga
- 23 يونيو، 2026
- تقارير
- أزمات اللوبي الصهيوني ( أيباك ), أمريكا, إسرائيل, الاغتراب والانفصال والتباعد, صحيفة هآرتس, غزة
نشرت صحيفة هآرتس تقرير مراسلها في واشنطن”بن سامويلز”الذي يسلط الضوء على الأزمة غير المسبوقة التي تواجهها منظمة اللوبي الإسرائيلي (أيباك)، التي لطالما كانت قوة مهيمنة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
فبعد أن كانت قادرة على تحديد ملامح السياسة “المؤيدة لإسرائيل”، يبيّن بن سامويلز أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، مع تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل في أميركا، باتت تواجه الآن الانتقاد من كلا الحزبين: من قبل الديمقراطيين لانحيازها للحزب الجمهوري، وكذلك من قبل الجمهوريين لتأثيرها الأجنبي غير المبرر.
ويبين هذا التقرير أيضا كيف أدى دعم منظمة اللوبي الإسرائيلي للسياسات والمرشحين المثيرين للجدل إلى نفور كلا الحزبين الأميركيين، مما جعل المنظمة معزولة في الوقت الذي تشهد فيه المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل وسياسة الشرق الأوسط تحولات جذرية.
هذه ترجمة التقرير:
“لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) أمام أزمة هوية: بعد عقد من الزمن على مواجهة أوباما بشأن إيران، ها هي الآن تواجه ترامب”
تواجه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) واقعًا لم يعد فيه رهانها على ترامب والحزب الجمهوري يؤتي ثماره. ومن المفارقات أن أزمتها بشأن الدبلوماسية الأمريكية مع إيران، حيث يقول منتقدوها إنها تحصد الآن ما زرعته من استقطاب حاد في السياسة الإسرائيلية في أمريكا.
بن سامويلز
هآرتس، واشنطن، 21 حزيران/ يونيو 2026
ربما تكون لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) العنصر الأكثر خضوعا للمراقبة والتدقيق في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في هذه اللحظة السياسية المضطربة. ويبدو أنها تشعر بالضغط أكثر من أي جهة أخرى، باستثناء بنيامين نتنياهو.
وبينما تواجه الحكومة الإسرائيلية أزمة وجودية هي الأكثر خطورة في علاقاتها مع واشنطن في الذاكرة الحديثة – وهي الأزمة التي غذتها دبلوماسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران وهجمات نائب الرئيس جيه دي فانس غير المسبوقة على إسرائيل والمدافعين عن حكومتها داخل الولايات المتحدة – فإن البيانات الأولية التي أصدرتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) عقب ظهور مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تشير بوضوح إلى موقفها الصعب.
فقد جاء في بيانها الأول: “نتطلع إلى معرفة التفاصيل الكاملة لإطار هذه المفاوضات، بما في ذلك ما إذا كانت الصفقة تحافظ على الحق السيادي لحليفتنا الديمقراطية إسرائيل في الرد على التهديدات الأمنية التي تواجهها”.
ويُعدّ هذا الموقف معتدلاً للغاية،إلى درجة تكاد تكون مثيرة للسخرية، مقارنةً بالغضب الشديد الذي عبرت عنه المنظمة تجاه الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة).
ورغم أن إيباك أصدرت لاحقًا مذكرة تفصيلية قالت فيها إن مذكرة التفاهم «تثير تساؤلات جوهرية ومهمة»، فإن ترددها في توجيه انتقادات علنية إلى ترامب يرسم صورة واضحة للمأزق الذي تجد نفسها فيه اليوم.
مع تزايد استياء الديمقراطيين من المنظمة، إلى جانب اقتراب الانقسام الداخلي لدى الجمهوريين بشأن إسرائيل من مستوى جديد من الحدة، فإن سيطرة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) التي استمرت لعقود على مراكز القوة في كلا الحزبين قد تكون من بين أولى أحجار الدومينو التي ستسقط وسط الأزمة الحالية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
بعد أن كانت منظمة إيباك تسعى منذ فترة طويلة إلى الإنفراد في تحديد معنى أن تكون “مؤيداً لإسرائيل” في أمريكا، فإنها تجد نفسها اليوم أمام الوجه الآخر لهذه المعادلة: كونها وكيلاً محلياً لحكومة أجنبية ينظر إليها غالبية الديمقراطيين وعدد متزايد بسرعة من الجمهوريين على أنها معادية للمصالح الأمريكية.
إن حقيقة أن أزمة الهوية الحالية التي تعاني منها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) تتمحور حول الدبلوماسية الأمريكية تجاه إيران، بعد أكثر من عقد على مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)، تُعدّ مفارقة مثيرة للسخرية بالنسبة للعديد من المراقبين. ويرى كثير من منتقدي أيباك أن المنظمة تحصد اليوم ما زرعته بنفسها، لا سيما فيما يتعلق بالاستقطاب الحاد للغاية الذي أصاب النقاش السياسي حول إسرائيل في الولايات المتحدة، وحول نهجها المتشدد والعدائي تجاه إيران.
نهاية حقبة التوافق الحزبي
لعقود طويلة، كانت إيباك الواجهة الرئيسية للدفاع عن مصالح الحكومة الإسرائيلية في واشنطن. ومنذ سبعينيات القرن الماضي على وجه الخصوص، راكمت نفوذًا سياسيًا وماليًا لا مثيل له تقريبا من خلال نشاطها في الضغط السياسي (اللوبي) وتدخلها في العملية الانتخابية، مستهدفةً المشرعين في كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ومروّجةً لفترة طويلة لحيادها المزعوم بينهما، مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز مكانة إسرائيل في كل منهما.
وقد سعت إيباك دائمًا إلى منع ظهور أي تباعد أو خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بغض النظر عن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض أو الكونغرس.
مع تبنّي الحكومة والمجتمع في إسرائيل، بشكل لا يمكن إنكاره، لليمين المتطرف ذي الطابع الفاشي بوتيرة تذهل حتى أمريكا في عهد دونالد ترامب، وجدت إيباك نفسها مضطرة إلى مجاراة هذا التحول. وقد كان ذلك واضحًا بشكل خاص في ظل الهيمنة التي فرضها بنيامين نتنياهو على السياسة الإسرائيلية. ومع ذلك، لا تُلزم إيباك بالتسجيل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، لأنها تُموَّل من متبرعين أفراد لا من الحكومة الإسرائيلية أو أي جهة أجنبية.
ورغم ظهور مؤشرات محدودة قبل إدارة أوباما، فإن حملة إيباك غير الناجحة التي بلغت تكلفتها 30 مليون دولار لإفشال الاتفاق النووي الإيراني — الذي كان أبرز إنجاز دبلوماسي لأوباما — سرّعت من ترسخ الانطباع لدى الديمقراطيين بأن إيباك باتت تنحاز إلى الجمهوريين وتعرّض الدعم الحزبي المشترك لإسرائيل للخطر.
كما رأى منتقدو المنظمة أنها كانت تستمد الكثير من توجهاتها من نتنياهو، الذي قام بتنظيمها — من وراء ظهر أوباما — ثم ألقى خطابًا غير مسبوق ذي طابع حزبي أمام جلسة مشتركة للكونغرس هاجم فيه الاتفاق النووي بشدة، وهو الخطاب الذي قاطعه 58 نائبًا ديمقراطيًا.
وكتب بن رودز، المستشار البارز للسياسة الخارجية في إدارة أوباما وأحد الشخصيات المؤثرة حاليًا في الحزب الديمقراطي، في صحيفة نيويورك تايمز في ديسمبر:
«وضع هذا الأمر العديد من الديمقراطيين في موقف حرج، إذ كانوا يسعون للحصول على دعم من منظمات تشمل متبرعين لإيباك ولجان عمل سياسي مرتبطة بها، في الوقت الذي أنفقت فيه تلك الجهات عشرات الملايين من الدولارات لمهاجمة سياسات رئيس ديمقراطي وتقويض الجهود الرامية إلى تحقيق حل الدولتين بشكل مستمر.»
لكن هذه الإشكالات لم تقتصر على الديمقراطيين وحدهم. ففي مذكراته «أرض الميعاد» (A Promised Land)، كتب باراك أوباما أن:
«أعضاء من كلا الحزبين كانوا يخشون الاصطدام بإيباك»،
مضيفًا أن:
«كل من انتقد السياسة الإسرائيلية بصوت مرتفع كان يخاطر بأن يُوصم بأنه “معادٍ لإسرائيل” (وربما معادٍ للسامية)، وأن يواجه منافسًا ممولًا بسخاء في الانتخابات التالية.»
وعلى الرغم من بعض التوترات الأولية مع ترامب خلال صعوده السياسي الأول، فإن ارتباط إيباك بالحزب الجمهوري ازداد قوة خلال ولايته الرئاسية الأولى.
وقد أشادت إيباك بشكل خاص بقرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهي خطوة عارضها معظم الديمقراطيين باعتبارها تقوض التوافق الذي ساد بعد اتفاقات أوسلو. وقد عزز ذلك الانطباع بأن إيباك تنزلق بصورة دائمة نحو الاصطفاف الحزبي، رغم تأكيدها المستمر أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع المشرعين المؤيدين لإسرائيل في الحزبين.
وتزامن ذلك مع صعود ما يُعرف بـ«الفرقة» (The Squad) من النواب الديمقراطيين التقدميين عام 2018، الذين شكّل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والمعارضة الشديدة لنفوذ إيباك جزءًا مهمًا من هويتهم السياسية. وقد تبادل نواب مسلمون أمريكيون وإيباك اتهامات وإهانات حادة، واتهم كل طرف الآخر باستخدام الصور النمطية والأحكام المسبقة ذات الخلفية الدينية.
الاغتراب والانفصال والتباعد
وبعد أن اضطرت إيباك إلى مواجهة إخفاقاتها في التعامل مع الاتفاق النووي الإيراني السابق، ومع تزايد شعبية التيار التقدمي بين الناخبين الديمقراطيين، خصوصًا الشباب، قررت إجراء تغيير جذري في أسلوب عملها.
فبدلًا من الاعتماد على نفوذها الضمني لدى المشرعين الذين يواجهون تحديات انتخابية، أنشأت لجنة عمل سياسي رسمية لجمع التبرعات للمرشحين الذين تؤيدهم، كما أنشأت لجنة «سوبر باك» (Super PAC) تستطيع من خلالها إنفاق مبالغ غير محدودة للتأثير في الانتخابات التمهيدية والعامة.
وأدى قرار إيباك دعم أكثر من مئة جمهوري صوّتوا ضد المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020، إلى جانب استخدامها أموال كبار الممولين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، إلى تنفير العديد من الناخبين والمشرعين الديمقراطيين.
وسرعان ما واكب ابتعاد إسرائيل نفسها عن التيار الرئيسي داخل الحزب الديمقراطي هذا التباعد المتسارع بين إيباك والديمقراطيين، إذ اتجهت قاعدة الحزب أكثر نحو اليسار في نظرتها إلى إسرائيل، بينما اتجهت الحكومة الإسرائيلية أكثر نحو اليمين
كما شكّلت أفعال إسرائيل في غزة، والخلافات المتكررة بين نتنياهو وإدارة بايدن، وتفضيلها الواضح لترامب على كامالا هاريس في انتخابات عام 2024، المزيد من الضربات.
لكن إيباك نجحت أيضًا في تنفير جزء كبير من قاعدة ترامب الشعبية نفسها، التي انجذب معظم أفرادها إلى وعوده القائمة على شعار «أمريكا أولًا» وتعهداته بتجنب المغامرات والتدخلات الخارجية.
وقد نظر كثيرون في الحزبين إلى منظمة إيباك على أنها من أكثر الجهات تأثيرًا في تشجيع قرار ترامب الأول بشن الضربات على إيران العام الماضي، ثم الحرب على إيران هذا العام. وبات اسم إيباك، عمليًا، مرادفًا لتحول ترامب غير المرغوب فيه نحو نهج المحافظين الجدد.
ولم تقتصر نتائج أساليبها على زيادة نفور الديمقراطيين منها خلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، بل ساهمت أيضًا في تأجيج غضب القاعدة المناهضة للحروب، بعدما ساعد إنفاقها الضخم ضد النائب توماس ماسي، أحد أبرز منتقدي إسرائيل، في جعل السباق الانتخابي الخاص به أغلى انتخابات تمهيدية في التاريخ السياسي للولايات المتحدة.
والآن، تجد إيباك نفسها عالقة في معضلة تزداد شبهًا بالمأزق الذي تواجهه إسرائيل نفسها. فغالبية الديمقراطيين تتهمها بالخضوع لليمين، وفي الوقت نفسه تستخدمها ككبش فداء مريح؛ إذ إن التنصل من «أموال إيباك» أسهل بكثير على المرشحين للكونغرس أو للرئاسة من الدعوة إلى إعادة صياغة جذرية للعلاقات الجيوسياسية.
وفي المقابل، يتهم عدد متزايد من الجمهوريين المنظمة بمحاولة فرض نفوذ مفرط على الحكومة الأمريكية. ويشمل ذلك شخصيات مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين، كما يشمل أيضًا المرشح الأوفر حظًا – على الأرجح – لتمثيل الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية لعام 2028، والوريث السياسي المتوقع لحركة «ماغا» (اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا).
وقال فانس لمقدمة البودكاست آلي بيث ستوكي خلال عطلة نهاية الأسبوع:
«إسرائيل، مثل كثير من الدول الأخرى، تحاول التأثير في السياسة الأمريكية. وأنا أعتبر ذلك أمرًا مفروغًا منه. لكن على القادة الأمريكيين أن يكونوا حذرين للغاية لضمان أن ما نقوم به يخدم مصلحة أمريكا أولًا، لا مصلحة أي دولة أخرى.»
ويُظهر هذا التصريح حجم العبء الذي ستتحمله إيباك من أي استياء أو غضب موجّه نحو إسرائيل.
وتواجه إيباك الآن واقعًا مفاده أن خيارها بالرهان على ترامب والحزب الجمهوري لم يعد يحقق العوائد السياسية التي كانت تتوقعها. ولا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل مع هذه المرحلة. لكن من الواضح تمامًا أنها تتجه نحو صدام مع ترامب، في وقت يتناقص فيه عدد الحلفاء الذين يمكنها الاعتماد عليهم.
