هل يواجه «المشروع الصهيوني» أزمة بنيوية؟

استعراض لأبرز الرؤى ومراكز الدراسات بشأن مستقبل إسرائيل

شهدت الأدبيات الإستراتيجية خلال العقود الماضية تركيزًا واسعًا على عناصر القوة التقليدية التي تمتلكها إسرائيل، وفي مقدمتها التفوق العسكري والتكنولوجي والدعم الدولي، غير أن السنوات الأخيرة أفرزت مسارًا بحثيًا مختلفًا، انتقل من سؤال القوة إلى سؤال الاستدامة، ليطرح تساؤلًا أكثر عمقًا: هل يواجه المشروع الصهيوني تحديات داخلية وخارجية متراكمة قد تفرض عليه تحولات بنيوية خلال العقود المقبلة؟

وقد اكتسب هذا النقاش زخمًا متزايدًا عقب أحداث عام 2023 وما تبعها من تطورات، في ظل تصاعد تحذيرات صادرة عن مسؤولين وسياسيين وأكاديميين وإعلاميين إسرائيليين بشأن تنامي الاستقطاب المجتمعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، بما أعاد فتح النقاش حول قدرة الدولة على إدارة أزماتها الداخلية في المدى الطويل.

من التفوق العسكري إلى قوة المجتمع..

تتفق معظم الدراسات الإستراتيجية الحديثة على أن استمرارية الدول لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، وإنما تعتمد كذلك على تماسكها الاجتماعي، وشرعية مؤسساتها، وكفاءة اقتصادها، واستقرار نظامها السياسي.

وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي الأميركي “هنري كيسنجر”، في كتابه “World Order”، أن استقرار الدول يرتبط بقدرتها على الحفاظ على شرعية داخلية متماسكة إلى جانب إدارة توازناتها الخارجية بكفاءة، ويذهب عالم السياسة الأميركي “ستيفن والت” إلى أن الاختلالات الداخلية قد تتحول إلى عامل حاسم في مستقبل أي دولة، مهما امتلكت من تفوق عسكري أو قدرات ردع.

أصوات إسرائيلية تدق ناقوس الخطر..

لم يعد الحديث عن التحديات الداخلية مقتصرًا على الباحثين خارج “إسرائيل”، بل أصبح حاضرًا بقوة داخل الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية، فقد حذر رئيس الوزراء الأسبق “إيهود باراك” من أن الانقسام الداخلي بات يشكل تهديدًا إستراتيجيًا للدولة، معتبرًا أن استمرار الاستقطاب السياسي قد ينعكس بصورة مباشرة على تماسك المجتمع ومؤسسات الحكم.

ومن جانبه، يرى رئيس الوزراء الأسبق “إيهود أولمرت” أن استمرار الاحتلال وغياب أي أفق لتسوية سياسية، يهددان مكانة “إسرائيل” الدولية ويضاعفان الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تواجهها، أما المؤرخ الإسرائيلي “إيلان بابيه” فيعتبر أن المشروع الصهيوني يواجه أزمة بنيوية تتعلق بقضايا الهوية والشرعية واستدامة الصراع، ويرى أن استمرار هذه التحديات قد يقود على المدى الطويل، إلى إعادة تشكيل النموذج السياسي القائم.

وفي السياق ذاته، يذهب الصحفي الإسرائيلي “جدعون ليفي” إلى أن استمرار الاحتلال تحول إلى عبء أخلاقي وسياسي متزايد، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية يسهم في تعميق عزلة “إسرائيل” الدولية وتوسيع الانقسام داخل مجتمعها.

مؤشرات داخلية تستحق المتابعة..

تسلط تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية إسرائيلية ودولية الضوء على مجموعة من المؤشرات التي يرى عدد من الباحثين أنها تستحق المتابعة، باعتبارها تعكس طبيعة التحديات الداخلية التي تواجهها “إسرائيل” في المرحلة الراهنة.

وتشمل هذه المؤشرات اتساع الفجوة بين التيارات السياسية والدينية، وتراجع مستويات الثقة في مؤسسات الدولة، واستمرار موجات الاحتجاج والانقسام المجتمعي، إلى جانب التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحروب والتوترات الأمنية، كما تثير التحولات التي تشهدها أنماط الهجرة اهتمام الباحثين، إذ سُجلت خلال فترات التصعيد مغادرة بعض الإسرائيليين لفترات طويلة، بالتوازي مع استمرار الهجرة الوافدة وإن كانت بوتيرة متفاوتة.

ورغم دلالة هذه المؤشرات، فإن “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي”، يؤكد أنها لا تمثل في حد ذاتها، أساسًا كافيًا لاستشراف مستقبل الدولة أو التنبؤ بمسارها على المدى البعيد، وإنما تعكس تحديات حقيقية ومتراكمة تتطلب سياسات فعّالة تعزز التماسك المجتمعي، وتدعم ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتحد من تداعيات الأزمات الداخلية والخارجية.

قراءة عربية-تركية للمشهد..

قدّم عدد من الباحثين والمفكرين العرب والأتراك قراءات متقاربة في كثير من جوانبها للتحولات التي تشهدها المنطقة، وإن اختلفت منطلقاتهم الفكرية وزوايا تناولهم للمشهد، ففي العالم العربي.. يرى الباحث الكويتي “عبد الله النفيسي” أن التاريخ يبرهن على أن موازين القوى ليست ثابتة، وإنما تتغير بتراكم عناصر القوة الشاملة، وفي مقدمتها الاقتصاد، والعلم، والمؤسسات، والتحالفات.

ويؤكد المفكر العربي “عزمي بشارة”، أن مستقبل الصراع لا تحسمه القدرات العسكرية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالتحولات الإقليمية والدولية، وبمدى قدرة الأطراف المختلفة على تطوير أدواتها السياسية والمؤسسية، أما الأكاديمي اللبناني “غسان سلامة”، فيلفت إلى أن التجارب التاريخية تُظهر أن الكيانات السياسية تواجه اختبارات مصيرية عندما تتزامن الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية، فيما يرى الكاتب المصري “عبد المنعم سعيد”، أن «الشرق الأوسط» يمر بمرحلة إعادة صياغة للتوازنات الإقليمية، بينما يؤكد الباحث “عمرو حمزاوي” أن استقرار الدول يبدأ من قوة مؤسساتها وشرعيتها الداخلية وقدرتها على إدارة الخلافات السياسية.

وفي السياق ذاته.. تربط “قراءات تركية” مستقبل المنطقة بالتحولات المتسارعة في النظام الدولي، إذ يرى “إبراهيم كالين”، أن العالم يتجه نحو “تعددية قطبية” تمنح القوى الإقليمية أدوارًا أكثر تأثيرًا في صياغة التوازنات الجديدة.

ويذهب الأكاديمي التركي “سولي أوزيل” إلى أن “الشرق الأوسط” يشهد عملية إعادة توزيع للقوة، وأن استمرار الصراعات في غياب تسويات سياسية يزيد من حجم التحديات الإستراتيجية التي تواجه مختلف الفاعلين الإقليميين، كما يشير الباحث “سونر جاغابتاي” إلى أن المتغيرات الإقليمية والدولية المتلاحقة تفرض على جميع الأطراف مراجعة استراتيجياتها بصورة مستمرة، بما يتلاءم مع بيئة جيوسياسية تتسم بدرجة متزايدة من السيولة وإعادة التشكل.

كيف تنظر مراكز الدراسات إلى مستقبل إسرائيل والمنطقة؟

تكشف مراجعة التقارير الصادرة عن عدد من أبرز مراكز الدراسات الدولية، مثل “تشاتام هاوس”، و”كارنيغي للسلام الدولي”، و”مجلس العلاقات الخارجية الأميركي”، عن تنامي اهتمام بحثي ببحث التداعيات بعيدة المدى لاستمرار الصراع في “الشرق الأوسط”، وما يفرضه من أعباء سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة على مختلف الأطراف.

وترى هذه المراكز أن البيئة الإقليمية والدولية تشهد تحولات متسارعة قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة، بما يجعل قدرة الدول على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية عاملًا حاسمًا في تحديد مساراتها المستقبلية.

وفي هذا السياق، تشير الأدبيات البحثية الحديثة إلى تنامي اتجاه أكاديمي يناقش بجدية قدرة “إسرائيل” على إدارة التحديات المتراكمة التي تواجهها، مستندًا إلى مؤشرات تتعلق بالاستقطاب السياسي، والضغوط الاقتصادية، والجدل حول الهوية، وتصاعد الانتقادات الدولية، واستمرار تداعيات الصراع.

وفي المقابل، تؤكد اتجاهات بحثية أخرى أن “إسرائيل” ما تزال تمتلك عناصر قوة مؤسسية وعسكرية واقتصادية تمنحها هامشًا معتبرًا للتكيف مع الأزمات، الأمر الذي يجعل إصدار أحكام حاسمة بشأن مستقبلها سابقًا لأوانه، وبين هذين المنظورين، يبدو أن القاسم المشترك بين معظم الدراسات يتمثل في أن “الشرق الأوسط” يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل عميقة ستنعكس على توازناته الإقليمية خلال العقود المقبلة، حتى وإن تباينت التقديرات بشأن طبيعة هذه التحولات ومدى تأثيرها على مستقبل الصراع.

اترك تعليقا