النظام العالمي الجديد يعيش إدارة أزمات مستمرة بعيدا عن الحلول النهائية
الشرق الأوسط مطالب بالتحول من متلق لفاعل مؤثر
- abdelrahman
- 6 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, الشرق الاوسط, الصين, النظام العالمي الجديد, امريكا, مؤسسات قوية
سيطرت التحولات البنيوية العميقة علي النظام الدولي منذ بداية القرن الحادي والعشرين ، والتي تمثلت تراجع نسبي للهيمنة الأحادية، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة وفي مقدمتها الصين ، وتزايد دور الاقتصاد والتكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين القوة.
من الثابت هنا القول إن منطقة الشرق الأوسط تقع في قلب هذه التحولات باعتباره نقطة تماس بين القوى الكبرى ومجالًا دائمًا لإعادة إنتاج التوازنات.
من حيث الخلفية تاريخية، فمنذ نهاية الحرب الباردة، برزت الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالميًا، قبل أن يتنامى تدريجيًا دور الصين وروسيا، إلى جانب تصاعد أدوار قوى إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.
هذا التحول اللافت أدي إلى انتقال النظام الدولي من نموذج أحادي القطبية تهيمن عليه واشنطن ومن بعدها القوي الغربية إلى حالة أقرب إلى “التعددية القطبية” أو “الفوضى المنظمة”، حيث تتداخل القوى ولا تستقر المراكزوبل يفتح هذالا الباب امام صعود قوي دولية أخري لصدارة المشهد ولو خلال سنوات .
وفي هذا السياق ، تشير دراسات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن التنافس الدولي لم يعد محصورًا في المجال العسكري، بل امتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والتحالفات الاستراتيجية
ساحة توازنات مرنة
تقارير تشاتام هاوس اشارت كذلك إلي أن الشرق الأوسط أصبح ساحة “توازنات مرنة”، حيث تتغير التحالفات بسرعة وفقًا للمصالح بدل الالتزامات طويلة الأمد.
وهو الأمر ذاته الذي اكدته تقارير معهد بروكينغز التي أكدت أن المنطقة تشهد انتقالًا من “إدارة الصراعات” إلى “إدارة التوازنات”، مع تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض حلول نهائية.
وكان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وسكرتير مجلس الأمن القومي ا الراحل هنري كيسنجر قد اوضح أن النظام الدولي الجديد يقوم على “توازنات معقدة لا يمكن التحكم بها بشكل كامل”، وأن الاستقرار يتطلب إدارة مستمرة للتنافس بين القوى.
ويتبني الباحث ستيفن والت وجهة نظر مشايهة لما ذهب إليه كيسنجر حيث اوضح أن توازن القوى هو العامل الأساسي في منع الحروب الكبرى، وأن غيابه يؤدي إلى اضطراب النظام الدولي.
كما أشار عالم العلاقات الدولية الراحل صمويل هنتنجتون إلى أن الصراعات في المرحلة المعاصرة لم تعد أيديولوجية فقط، بل أصبحت ذات أبعاد حضارية وثقافية.
ويشاطر هينجتون في هذا السياق المفكر فرانسيس فوكوياما حيث رأي أن التحدي الأساسي أمام الدول يتمثل في بناء مؤسسات قوية قادرة على التكيف مع التحولات الدولية السريعة.
استدلالات وتحليلات عربية
وعلي الصعيد العربي يرى الباحث الكويتي عبد الله النفيسي أن النظام الإقليمي العربي يعاني من “تجزئة استراتيجية” حالت دون تشكيل قوة تفاوضية موحدة في النظام الدولي.
ويشير الأكاديمي الإماراتي مستشاررئيس دولة الإمارات العربية المتحدةمحمد بن زايد السابق عبد الخالق عبد الله إلى أن العالم العربي مطالب بالانتقال من “رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي” في علاقاته الدولية.
كما يرى الوزير اللبناني السابق غسان سلامة أن ضعف المؤسسات الإقليمية العربية جعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، وأضعف قدرتها على التأثير في النظام الدولي.
ويضيف المفكر العربي عزمي بشارة أن فهم التحولات الدولية يتطلب إعادة قراءة الدولة العربية نفسها من حيث بنيتها المؤسسية وقدرتها على الفعل السياسي المستقل.
أراء محللين مصريين وأتراك
وفي هذا الأجواء المعقدة أدلي محللون سياسيون مصريون وعرب بدلوهم في هذه القضية ، إذ راي الباحث المصري خليل العناني أن النظام الدولي المتحول يفرض على الدول الإقليمية، وعلى رأسها مصر، التحول من “الفاعل المتلقي” إلى “الفاعل المؤثر” في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية
ويشير مدير مركز الدراسات السياسيةوالاستراتيجية بالأهرام سابقا عبد المنعم سعيد ،إلى أن البيئة الدولية الحالية أكثر “تعددية وأقل استقرارًا”، ما يفرض على القاهرة إدارة علاقاتها عبر توازن دقيق بين القوى الكبرى.
كما يذهب الباحث المصري عمرو حمزاوي إلى أن فاعلية الدول في النظام الدولي الجديد ترتبط مباشرة بقدرتها على بناء مؤسسات داخلية قوية ومستقرة.
وعلي الصعيد التركي يشير الباحث في شؤون الشرق الأوسط سونر جاغابتاي إلى أن السياسة الخارجية التركية تجمع بين “البراغماتية الأمنية والطموح الإقليمي”، خاصة في محيطها العربي.
كما يضيف الباحث التركي بكر باتي أن أنقرة تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى لإعادة تموضعها كقوة إقليمية مركزية في النظام الدولي.
وفيما يتعلق باستدلالات مراكز الأبحاث ، أشارت تقارير تشاتام هاوس إلى أن الشرق الأوسط بات ساحة “توازنات مرنة” تتغير وفق المصالح وليس التحالفات الثابتة
الصراع الصيني الأمريكي
وتؤكد دراسات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن التنافس الأمريكي–الصيني سينعكس مباشرة على المنطقة عبر الطاقة وسلاسل الإمداد والتحالفات الدفاعية.
كما يوضح معهد بروكينجز أن القوى الإقليمية أصبحت فاعلًا مستقلًا في النظام الدولي، وليست مجرد امتداد للقوى الكبرى.
ويضيف تقرير كارنيجي للسلام الدولي أن العالم يعيش مرحلة “إدارة أزمات مستمرة” بدل الحلول النهائية.
وكانت حالة الغموض المعقد التي تحكم النظام العالمي الجديد ،انعكاسات على الشرق الأوسط، إذا تزايد تعدد مراكز النفوذ الدولي والإقليمي،فضلا عن تحول المنطقة إلى ساحة تنافس اقتصادي وتقني وجيوسياسي، كذلك ضعف الحلول الحاسمة لصالح إدارة الأزمات، ارتباط الأمن الإقليمي بالتوازنات الدولية الكبرى .
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة انتقالية طويلة تتسم بتعدد الأقطاب وتغير مراكز القوة حيث ، يظل الشرق الأوسط منطقة مركزية في التفاعلات الدولية، بينما يبقى التحدي الأساسي أمام الدول الإقليمية هو تحويل هذا التحول من ساحة صراع نفوذ إلى مساحة بناء دور استراتيجي مستقل وفاعل.
