كيف تحولت تركيا من الحليف المثير للجدل إلى شريك مهم داخل الناتو؟

بين الشكوك القديمة والشراكة الضرورية

لم يمض وقت طويل على وصف العلاقات بين تركيا وحلف شمال الأطلسي بأنها تمر بواحدة من أصعب مراحلها منذ انضمام أنقرة إلى الحلف عام 1952، بعد الخلافات حول شراء منظومة إس-400 الروسية، وتعطيل انضمام السويد، والتوتر مع الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية. غير أن التطورات الأمنية المتسارعة منذ الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وتصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، دفعت عدداً من الصحف الغربية إلى التساؤل: كيف تحولت تركيا من الحليف المثير للجدل إلى شريك لا يمكن الاستغناء عنه داخل الناتو؟

أشارت وكالة رويترز إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نجح في استثمار المتغيرات الإقليمية والدولية ليعزز موقع بلاده داخل الحلف، مستفيداً من حاجة الدول الغربية إلى الدور التركي في أمن البحر الأسود، وضبط الهجرة، وتأمين طرق الطاقة، والتوسط في النزاعات الإقليمية. ورأت الوكالة أن أنقرة أصبحت شريكاً يصعب تجاوزه رغم استمرار الخلافات السياسية مع بعض الحلفاء.

صحيفة فايننشال تايمز اعتبرت أن تركيا لم تعد مجرد دولة عضو في الناتو، بل تحولت إلى قوة إقليمية تمتلك أوراق ضغط متعددة، أبرزها صناعاتها الدفاعية المتقدمة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة، إضافة إلى سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل وفق اتفاقية مونترو، وهو ما منحها ثقلاً استراتيجياً متزايداً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

أما مجلة الإيكونوميست فرأت أن سياسة أردوغان القائمة على الموازنة بين الشرق والغرب، رغم ما تعرضت له من انتقادات، وفرت لتركيا مساحة واسعة للمناورة السياسية، إذ حافظت على عضويتها الفاعلة في الناتو، وفي الوقت نفسه أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، وهو ما جعلها وسيطاً في عدد من الملفات الحساسة، من بينها اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.

ويرى محللون في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الدول الغربية باتت أكثر ميلاً إلى التعامل البراغماتي مع أنقرة، لأن البيئة الأمنية الحالية تجعل الموقع الجغرافي التركي والقدرات العسكرية التركية عنصراً يصعب تعويضه. كما يؤكد باحثون في تشاتام هاوس أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الناتو بعد الولايات المتحدة، إضافة إلى قاعدة صناعية دفاعية متنامية تمنحها نفوذاً متزايداً داخل الحلف.

ومع ذلك، لا تعني هذه المكانة انتهاء الخلافات. فما تزال ملفات حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، والعلاقة مع اليونان وقبرص، والسياسة في سوريا، تمثل نقاط توتر مستمرة بين أنقرة وعدد من العواصم الغربية. لذلك تصف صحف غربية عدة تركيا بأنها “الحليف الصعب” أو “الشريك الضروري”، في إشارة إلى أن أهميتها الاستراتيجية لا تلغي استمرار التباينات السياسية.

ويبدو أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة أعادت تعريف أولويات الناتو، فبدلاً من التركيز على الخلافات الثنائية، أصبح الاهتمام منصباً على احتواء روسيا، وتأمين الجناح الجنوبي للحلف، وحماية خطوط التجارة والطاقة، وهي ملفات تمنح تركيا دوراً محورياً. وإذا استمرت البيئة الأمنية الحالية، فمن المرجح أن يظل أردوغان أحد أبرز المستفيدين سياسياً من هذا التحول، مع بقاء العلاقة بين أنقرة وحلفائها الغربيين قائمة على مزيج من التعاون والمنافسة في آن واحد.

المصادر: وكالة رويترز، فايننشال تايمز، الإيكونوميست، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR، تشاتام هاوس، بيانات حلف شمال الأطلسي.

اترك تعليقا