كوسوفو وفرصة إنهاء الشلل السياسي وبداية اختبار جديد لكورتي
بعد اتفاق مفاجئ بين حركة تقرير المصير والرابطة الديمقراطية
- dr-naga
- 3 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- ألبين كورتي, الرابطة الديمقراطية, الشلل السياسي, حركة تقرير المصير, كوسوفو
الرائد// دخلت كوسوفو مرحلة سياسية جديدة بعد اتفاق مفاجئ بين حركة تقرير المصير بزعامة ألبين كورتي والرابطة الديمقراطية لكوسوفو على ترشيح الأكاديمي والدبلوماسي بكيم سيديّو لرئاسة الجمهورية، في خطوة قد تضع حداً لأزمة مؤسساتية استمرت قرابة عامين وأدت إلى تكرار الانتخابات وتعطيل تشكيل المؤسسات بصورة طبيعية.
ويكتسب الاتفاق أهمية تتجاوز منصب الرئيس، الذي تتمتع صلاحياته التنفيذية المباشرة بحدود نسبية، لأن انتخابه يتطلب حضور ما لا يقل عن 80 نائباً في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً. وتملك حركة تقرير المصير 53 مقعداً بعد انتخابات يونيو، فيما حصلت الرابطة الديمقراطية على 18 مقعداً، ما يجعل جمع أصوات الطرفين، إلى جانب بعض أصوات الأقليات، قادراً نظرياً على توفير النصاب المطلوب.
سيديّو، البالغ 51 عاماً، أستاذ للقانون في جامعة بريشتينا، وسبق له العمل سفيراً لكوسوفو لدى تركيا وقنصلاً عاماً في نيويورك، كما ارتبط اسمه بالعمل القضائي والدبلوماسي. واختيار شخصية أكاديمية ودبلوماسية غير صدامية يمكن قراءته باعتباره محاولة لإيجاد شخصية قادرة على لعب دور توافقي بعد فترة شديدة الاستقطاب بين الأحزاب.
لكن الاتفاق لم ينهِ الأزمة فعلياً بعد. فالمشكلة الرئيسية هي تحويل التفاهم السياسي إلى تصويت ناجح داخل البرلمان، خصوصاً في ظل وجود اعتراضات داخل الرابطة الديمقراطية نفسها. وأشارت تقارير محلية إلى أن رئيس الوزراء السابق عبد الله هوتي أعلن معارضته لترشيح سيديّو، بينما أعلن عدد من النواب مواقف متحفظة على الاتفاق.
ويحذر المحلل السياسي أغون ماليقي من الإفراط في التفاؤل، رغم اعتباره الاتفاق تطوراً إيجابياً بعد فترة طويلة من الجمود. ويرى ماليقي أن العقبة ليست في ترشيح شخصية سيديّو بحد ذاته فقط، وإنما في ضمان الأصوات وفي تجاوز الإشكالات الدستورية التي تراكمت خلال فترة عدم اكتمال المؤسسات.
أما المحلل دريتارو عريفي فانتقد طريقة إجراء المفاوضات، معتبراً أنها تمت بدرجة كبيرة من الغموض، وحذر من أن الخبرة الأكاديمية والدبلوماسية للمرشح لا تكفي وحدها للحكم على قدرته على مواجهة الضغوط السياسية. كما طالب بأن تكون مواقف سيديّو واضحة تجاه ملفات استراتيجية، بينها الحوار مع صربيا والعلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وفي السياق نفسه، قال الباحث في معهد العدالة في كوسوفو نعيم جاكاي إن الأولوية بعد الاتفاق ينبغي أن تكون استكمال الجلسة التأسيسية للبرلمان، حتى تصبح الهيئة التشريعية الجديدة قادرة على العمل بصورة كاملة.
وتعود جذور الأزمة إلى الانقسام السياسي الذي أعقب الانتخابات وتكرر بصورة أدت إلى ثلاث عمليات انتخابية خلال فترة تقارب 18 شهراً، الأمر الذي أخر الإصلاحات المطلوبة للاندماج الأوروبي وأضعف قدرة الدولة على الاستفادة من التمويل والإجراءات المرتبطة بمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. الخلفية السياسية مهمة هنا.
فقد استطاعت حركة تقرير المصير خلال السنوات الأخيرة أن تصبح القوة السياسية الأبرز في كوسوفو، مستفيدة من خطاب يركز على مكافحة الفساد وتعزيز سيادة الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية. لكن القوة الانتخابية لم تتحول دائماً إلى قدرة على بناء توافقات واسعة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمة الأخيرة.
ولهذا فإن اتفاق كورتي مع الرابطة الديمقراطية يمثل تحولاً لافتاً؛ إذ اضطر الحزب الحاكم فعلياً إلى البحث عن شريك من المعارضة بدلاً من محاولة إدارة المؤسسات بأغلبية سياسية ضيقة. وقد يكون ذلك بداية انتقال من سياسة المواجهة إلى سياسة التفاهم، إذا تمكن الطرفان من الحفاظ على الاتفاق بعد انتخاب الرئيس.
المشكلة الأكبر أن فشل البرلمان في انتخاب سيديّو قد يعيد كوسوفو إلى نقطة الصفر. ووفق الدستور، فإن فشل انتخاب الرئيس في المحاولات المحددة يمكن أن يؤدي إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، ما يعني استمرار الحلقة نفسها التي عطلت تشكيل الحكومة والمؤسسات. ويرى ماليقي أن هذا السيناريو سيجعل الانتخابات المبكرة احتمالاً جدياً.
ومن منظور أوروبي، تبدو المسألة أكثر إلحاحاً. فبروكسل تريد مؤسسات مستقرة في كوسوفو قادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما أدى الجمود السياسي إلى تأخير عدد من الملفات.
التوقع الأقرب هو أن تشهد الأيام المقبلة اختباراً حاسماً للاتفاق: فإذا تمكن كورتي وعبد الله، رئيس الرابطة الديمقراطية، من تأمين الأصوات اللازمة، فقد تبدأ كوسوفو مرحلة تشكيل حكومة جديدة وإنهاء حالة المؤسسات المؤقتة. أما إذا تفكك الاتفاق داخل الرابطة أو تعذر توفير النصاب، فإن البلاد قد تعود سريعاً إلى الانتخابات، وهو ما سيكون مؤشراً على أن المشكلة الكوسوفية لم تعد مجرد خلاف على الرئاسة، وإنما أزمة أعمق في قدرة النظام الحزبي على إنتاج توافقات مستقرة.
المصادر:
-رويترز
-راديو أوروبا الحرة وتقارير تحليلية محلية .
-معهد العدالة في كوسوفو، تصريحات الباحث نعيم جاكاي، 2 سبتمبر 2026.