تركيا تفتح باباً جديداً نحو موسكو وبكين وتختبر حدود عضويتها في الناتو

الانتقال من الشريك في منظمة شنغهاي إلى العضوية الكاملة

الرائد// أثار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نقاشاً واسعاً داخل تركيا وحلف شمال الأطلسي بعد إعلانه أن بلاده قد تدرس الانضمام الكامل إلى منظمة شنغهاي للتعاون، التي تقودها الصين وروسيا، في تحول يتجاوز صيغة الشراكة الحالية ويطرح مجدداً سؤالاً أساسياً حول الاتجاه الاستراتيجي لتركيا بين المؤسسات الغربية والقوى الآسيوية الصاعدة. وقال أردوغان في تصريحات نقلتها رويترز في 2 سبتمبر إن تركيا ستنظر في إمكانية العضوية الكاملة إذا كان ذلك يخدم مصالحها.

وتكمن أهمية التصريح في أن تركيا ليست دولة محايدة بين المعسكرين، بل عضو في الناتو منذ عام 1952، وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات اقتصادية وأمنية متنامية مع روسيا والصين. ولذلك فإن الانتقال من صفة الشريك في منظمة شنغهاي إلى العضوية الكاملة سيكون خطوة سياسية ذات دلالة أكبر بكثير من مجرد توسيع العلاقات الاقتصادية.

ويأتي الموقف التركي في مرحلة تتعرض فيها العلاقة بين أنقرة والعواصم الغربية لإعادة تعريف عميقة. فقد حافظت تركيا على عضويتها في الناتو، لكنها خلال السنوات الأخيرة وسعت هامش استقلال قرارها الخارجي، واشترت منظومة إس-400 الروسية رغم الاعتراض الأميركي، وعمقت التعاون مع موسكو في الطاقة والتجارة، بينما طورت في الوقت نفسه صناعاتها الدفاعية وعلاقاتها مع دول آسيا الوسطى.

ويقول أردوغان إن سياسة تركيا لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها اختياراً بين الشرق والغرب، وإنما باعتبارها محاولة للاستفادة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتعددة. لكن هذا التفسير يصطدم بحقيقة أن المؤسسات الغربية تنظر إلى منظمة شنغهاي باعتبارها إحدى المنصات الرئيسية التي تستخدمها الصين وروسيا لتوسيع نفوذهما السياسي والأمني خارج النظام الغربي.

المحلل الاقتصادي التركي خليل بورومجكجي أشار في تحليل حديث إلى مشكلة مختلفة تواجه الحكومة: الاقتصاد التركي نفسه بدأ يظهر تكلفة السياسة النقدية الصارمة. فقد نما الاقتصاد 2.3 في المئة على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، وهو أقل من توقعات بلغت 2.9 في المئة، بينما انكمش الطلب المحلي 1.3 في المئة على أساس فصلي.

وهنا تظهر المفارقة. فأنقرة تريد هامشاً أكبر في السياسة الخارجية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية. والاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الأهم لتركيا، بينما تعتمد قطاعات واسعة من الصناعة التركية على سلاسل التوريد الأوروبية.

كما أن السياسة النقدية تمثل اختباراً داخلياً صعباً. فقد أبقى البنك المركزي التركي سعر الفائدة عند 37 في المئة، في محاولة للسيطرة على التضخم، فيما بلغ التضخم السنوي في يونيو 31.75 في المئة وفق بيانات نقلتها رويترز. وتقول الحكومة إنها تستهدف إعادة التوازن إلى الطلب وتقليل التضخم تدريجياً، إلا أن تباطؤ النمو يرفع كلفة هذا المسار سياسياً واجتماعياً.

وتزداد حساسية الملف بسبب موقع تركيا داخل الناتو. فأنقرة ليست مجرد دولة عضو، وإنما تمتلك واحداً من أكبر الجيوش في الحلف، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل، وتحتل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية بين أوروبا والبحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط.

ولهذا فإن أي اقتراب تركي أكبر من منظمة شنغهاي لن يعني بالضرورة انسحاباً من الناتو، لكنه سيعني على الأرجح استمرار سياسة “تعدد المحاور” التي تحاول من خلالها أنقرة الحصول على مكاسب من الطرفين. هذه السياسة كانت ممكنة طالما بقيت المصالح الاقتصادية والأمنية متقاطعة، لكنها تصبح أكثر صعوبة عندما تتحول المنافسة بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة.

واللافت أن التصريح التركي جاء بعد فترة قصيرة من تحركات لتعزيز العلاقات الدفاعية الإقليمية. فقد عقدت تركيا والسعودية وباكستان أول اجتماع للجنة مشتركة مرتبطة باتفاق دفاعي ثلاثي، في خطوة تعكس توجهاً نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً عن الأطر التقليدية.

ومن الناحية التاريخية، ليست فكرة التوازن بين الشرق والغرب جديدة على تركيا. فمنذ نهاية الحرب الباردة حاولت أنقرة الاستفادة من انهيار الاتحاد السوفييتي للتوسع في آسيا الوسطى، خصوصاً بين الجمهوريات الناطقة بالتركية. ثم جاءت سياسة “العمق الاستراتيجي” في عهد حزب العدالة والتنمية لتمنح الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى أهمية أكبر في السياسة الخارجية.

لكن التطورات الحالية تختلف عن مرحلة التسعينيات. الصين أصبحت قوة اقتصادية عالمية، وروسيا استعادت جزءاً كبيراً من نفوذها العسكري، بينما أصبحت تركيا نفسها قوة إقليمية ذات صناعة دفاعية أكثر استقلالاً. ولذلك فإن أنقرة لا تتحرك هذه المرة باعتبارها دولة تبحث فقط عن بديل للغرب، بل باعتبارها دولة تريد أن تصبح مركزاً بين عدة أنظمة دولية.

المشكلة أن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى اقتصاد قوي. تباطؤ النمو التركي يجعل هامش المناورة أضيق، خصوصاً إذا استمر التضخم مرتفعاً واضطرت الحكومة إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وفي المقابل، فإن تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا يمكن أن يوفر استثمارات وأسواقاً وطاقة، لكنه لا يستطيع بسهولة تعويض العمق الصناعي والتجاري للعلاقة مع أوروبا.

التوقع الأقرب هو أن تواصل أنقرة سياسة التوازن بدلاً من اتخاذ قرار سريع بالانضمام الكامل إلى منظمة شنغهاي. فالتصريح التركي يبدو في الوقت الحالي أداة لرفع سقف الخيارات السياسية أكثر منه إعلاناً عن تغيير فوري للتحالفات.

لكن الرسالة الأهم وصلت بالفعل إلى العواصم الغربية: تركيا تريد أن تكون صاحبة القرار في تحديد شركائها، وليس مجرد عضو يتلقى توجيهات من الناتو أو الاتحاد الأوروبي.

وإذا تحولت هذه السياسة خلال السنوات المقبلة من “تعدد العلاقات” إلى “تعدد التحالفات”، فقد تصبح تركيا واحدة من أهم الدول التي تعيد تشكيل النظام الدولي الجديد، لا باعتبارها جزءاً من الشرق أو الغرب، وإنما باعتبارها قوة وسطى تحاول التفاوض مع الطرفين في آن واحد.

المصادر والتواريخ:

رويترز، 2 سبتمبر 2026، تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن إمكانية عضوية تركيا الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون.

رويترز، 31 أغسطس 2026، بيانات نمو الاقتصاد التركي في الربع الثاني وتحليل الخبير الاقتصادي خليل بورومجكجي.

رويترز، 30 أغسطس 2026، الاجتماع الأول للجنة الدفاعية المشتركة بين تركيا والسعودية وباكستان.

اترك تعليقا