في “فقه التّبريد” في المجتمعات الهشّة

محمد خير موسى

في المجتمعات الهشّة والدول الناشئة يصبح من فقه السياسة والاجتماع وحكمة العمل والإصلاح أن ‏تُتناول القضايا الشائكة والنوازل التي تمسّ الدين أو الهوية أو الثقافة أو الفكر أو الاقتصاد على نحوٍ ‏يفتح لها أبواب الفهم والمعالجة، ويحبس عنها ما يستدعي الانفعالات الجمعية إلى الميدان قبل أن تستوفي ‏العقول حقها من النظر؛ فهذا هو فقه التبريد، أن تبقى القضية في حجمها وأن يسارع أهل الحكمة إلى ‏الإصلاح عن طريق البيان والحجة والتدبير قبل أن تستيقظ في النفوس نوازع الاصطفاف والمغالبة.‏

والمجتمع المستقر يحتمل من الخصومات الفكرية والسياسية ومن ارتفاع الأصوات والتحشيد ما تحتمله ‏الدار القوية من هبوب الريح؛ لأن تحته مؤسساتٍ راسخة وفيه أعرافٌ تضبط الصراع وثقةً عامةً تمنع ‏الخصومة من أن تنقلب خوفًا على الوجود، أما المجتمع الذي خرج من حربٍ أو استبدادٍ أو انقسامٍ ‏طويل فإنه يشبه جرحًا التأم ظاهره وبقي وجعه في الأعماق؛ فقد تقع عليه قضية صغيرة فتوقظ ذاكرةً ‏أكبر منها ويُقال فيه كلامٌ محدود فتجيبه من النفوس تواريخ كاملة من الخوف والريبة والألم.‏

وبهذا يظهر الفرق بين التعبير والتثوير؛ فالتعبير حقّ الناس وواجب أصحاب الأفكار أن يقولوا ما يرونه ‏حقًا، وأن يناقشوا الخطأ وأن يكشفوا المظلمة وأن يدافعوا عن معتقداتهم وتصوراتهم؛ أما التثوير فيبدأ ‏حين تُنقل القضية من ساحة العقل إلى حرارة الجمهور فيُستدعى الناس حولها بوصفهم جماعاتٍ ‏وهويات ويصير الخلاف امتحانًا للولاء ثم تنفصل القضية شيئًا فشيئًا عن أصلها، ويصبح السؤال: من ‏معنا ومن علينا؟ بعد أن كان السؤال: أين الحق وكيف يُصلح الخطأ؟

ولهذا يحتاج المجتمع الهش إلى شجاعةٍ في قول الحقيقة معها حكمةٌ تعرف مقدار الحرارة التي يحتملها ‏الجسد الاجتماعي؛ فكم من قضيةٍ صالحة للعلاج أفسدها الاستنفار، وكم من مظلمةٍ كان يمكن ردّها ‏بالبيان والتدبير ثم حملتها العاطفة حتى صارت معركةً عامة، وكم من كلمةٍ أراد صاحبها أن ينتصر بها ‏لمعنى صحيح ففتح لها من أبواب الإفساد أكثر مما فتح من أبواب الإصلاح.‏

وفي مثل هذه المجتمعات تكون الحكمة أن نحفظ الحقيقة من أن تتحول نارًا في الطريق إلى إظهارها؛ ‏فربّ حقٍّ أضعفه سوء حمله، وربّ قضيةٍ عادلةٍ أهلكها استعجال معركتها، وربّ مجتمعٍ كان محتاجًا إلى ‏من يطفئ حول جراحه قليلًا من اللهيب حتى يقوى على حمل الحقيقة كاملة.‏

اترك تعليقا