رحيل العلامة الموريتاني “محمد الحسن ولد أحمدو الخديم”
د علي الصلابي
- dr-naga
- 3 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الشعب الموريتاني, رحيل العلامة محمد الحسن ولد أحمدو الخديم, موريتانيا
تعزية إلى الشعب الموريتاني والأمة الإسلامية في أحد أعلام المحظرة والعلم
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تلقينا ببالغ الحزن، وقلوبنا مؤمنة بقضاء الله وقدره، خبر وفاة العلامة الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم رحمه الله تعالى، أحد أبرز علماء المحظرة الموريتانية في العقود الأخيرة، وعالماً من علماء بلاد شنقيط الذين أمضوا أعمارهم في حفظ العلم الشرعي وتعليمه، وتربية طلابه، والتأليف في فنونه، حتى غدا اسمه مرتبطاً بمحظرة التيسير، وامتد أثر مدرسته العلمية من موريتانيا إلى بلدان غرب إفريقيا والمغرب العربي ومناطق أخرى من العالم الإسلامي.
ولد الشيخ رحمه الله سنة 1938 في ولاية اترارزة، في بيئة عرفت بالعلم والتدين، وبدأ رحلته مع القرآن الكريم صغيراً؛ فتعلمه على يد جدته فاطمة بنت محمد التاهجي، ثم أتم حفظه على يد والده، ومضى بعد ذلك في طريق التحصيل على الطريقة الشنقيطية المعروفة، فدرس القرآن الكريم والفقه وأصوله والحديث والسيرة والنحو والأدب والتزكية، وحفظ ودرس جملة من المتون التي كانت عماد المدرسة المحظرية، ومنها «قرة الأبصار»، و«ابن عاشر»، و«الآجرومية»، كما عني بكتب العلامة محمد مولود بن أحمد فال، ومنها «مطهرة القلوب» و«محارم اللسان» و«كفاف المبتدي».
وأخذ الشيخ عن عدد من علماء عصره، وكان من أبرز شيوخه العلامة محمد سالم ولد المختار ولد ألما، الذي أجازه إجازة عامة في مسموعاته ومروياته، وظل الشيخ يجمع بين التعلم والتعليم منذ سنوات شبابه، حتى صار التدريس جزءاً أصيلاً من حياته ورسالةً لازمه القيام بها عقوداً طويلة.
ومن أبرز آثار الشيخ رحمه الله محظرة التيسير، التي بدأت نواتها في منطقة انكيكم شمال تكند، ثم استقرت في القرية التي عرفت باسم التيسير سنة 1974، وقد نشأت القرية حول بئر أشرف الشيخ وطلابه على إنشائها، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى موطن للعلم وطلاب المعرفة، وحافظت على جانب أصيل من الطريقة الشنقيطية في تلقي العلوم، وحفظ المتون، وملازمة العلماء، وربط العلم بالتربية والسلوك.
ولم يبق أثر التيسير محصوراً في محيطها المحلي، فقد قصدها الطلاب من أنحاء موريتانيا ومن غرب إفريقيا والمغرب العربي وعدد من البلدان العربية والآسيوية، ثم عاد كثير منهم إلى مجتمعاتهم أئمةً ومدرسين وقضاةً ودعاةً ومشتغلين بالعلم والتعليم، فكان في ذلك امتداد لرسالة الشيخ، ودليل على ما يضعه الله تعالى من البركة في علم العالم الصادق، حتى يبدأ عطاؤه من مكان صغير ثم يمتد أثره عبر البلدان والأجيال.
وقد ترك الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم رحمه الله تراثاً علمياً واسعاً، تجاوزت مؤلفاته ورسائله المائة، وتوزعت على الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، والسيرة، والعقيدة، واللغة والنحو، والتربية والتزكية وآداب طالب العلم، وكان كثير من هذا التأليف متصلاً اتصالاً مباشراً بمجالس تدريسه وحاجات طلابه.
ومن مؤلفاته «مرام المجتدي من شرح كفاف المبتدي»، و«دليل الناسك لما يخفى من المناسك»، و«نخبة المطلوب من شرح مطهرة القلوب»، و«سلم المطالع لدرك الكوكب الساطع» في أصول الفقه، و«الجامع المحرر بشرح نظم الدرر» في مصطلح الحديث، و«سقاية الظمآن من آداب تلاوة القرآن»، و«بغية الأبرار من شرح قرة الأبصار» في السيرة، و«إعانة المتفهم بشرح آداب المتعلم»، و«المسعد بشرح آداب المسجد»، وغيرها من المؤلفات التي تكشف عن سعة اهتمامه، وحرصه على تقريب العلم إلى طلابه وربطه بحياة المسلم وسلوكه.
إن رحيل عالم قضى هذه العقود في التدريس والتأليف وتكوين الأجيال ليس فقداً لأسرته وطلابه وحدهم، وإنما هو مصاب لبلاد شنقيط ولأهل العلم في الأمة الإسلامية، فالعلماء ورثة الأنبياء، وبقاء آثارهم في الكتب والطلاب والتعليم من أبواب الخير التي يمتد نفعها بعد رحيلهم، وقد قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.
وإن بلاد شنقيط التي اشتهرت عبر القرون بحفظ القرآن الكريم، ورسوخ العلم، والمحاظر، والعناية بالفقه واللغة والحديث، قد قدمت للأمة علماء كباراً حملوا ميراثها العلمي إلى أقطار بعيدة، وكان الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم رحمه الله امتداداً معاصراً لهذه المدرسة العلمية العريقة، حافظاً لموروثها، معلماً لعلومها، ومربياً لأجيال من طلابها.
وبهذه المناسبة الأليمة، أتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى الشعب الموريتاني الشقيق، وإلى علماء بلاد شنقيط ومحاظرها وطلاب العلم فيها، وإلى أسرة الشيخ وأبنائه وتلاميذه ومحبيه، وإلى علماء المسلمين وطلاب العلم في أنحاء العالم الإسلامي، سائلاً الله تعالى أن يجبر مصابهم، وأن يرزقهم الصبر والاحتساب وحسن العزاء.
وقد أعلنت أسرة الشيخ، وفق ما نشر بعد وفاته، أن التعزية ستقتصر، بناءً على توجيه سابق منه رحمه الله، على التواصل عبر الهاتف، دون استقبال المعزين حضورياً، وهي وصية ينبغي أن تحترم ويراعى فيها ما أراده الشيخ لأهله ومحبيه.
اللهم اغفر لعبدك الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم، وارحمه رحمةً واسعةً، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وارفع درجته في عليين، واجعل القرآن الذي علّمه، والعلم الذي بثه، والكتب التي ألّفها، والطلاب الذين ربّاهم وعلّمهم في موازين حسناته، وأجر عليه ثوابها ما بقي أثرها وانتفع الناس بها.
اللهم اجزه عن القرآن والعلم وطلابه، وعن بلاد شنقيط والأمة الإسلامية خير الجزاء، واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، واخلف الأمة في علمائها خيراً، وبارك في علماء موريتانيا ومحاظرها وطلابها، واحفظ لها ميراثها العلمي الأصيل، وانفع به أجيال المسلمين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
كتبه الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين