حين تتحول الدعاية إلى مادة للترفيه بالسخرية من ترامب

فورين بوليسي/ محمد الجوهري

لم تعد الدعاية السياسية في زمن الحروب تحتاج دائماً إلى مؤسسات ضخمة واستوديوهات ومئات العاملين. يكفي أحياناً عدد محدود من الأشخاص وأجهزة متاحة في الأسواق وبرنامج قادر على إنتاج صور متحركة مقنعة لكي تصل الرسالة إلى ملايين المشاهدين.

في الأشهر الأخيرة ظهرت في إيران مجموعة تنتج مقاطع رسوم متحركة بأسلوب شخصيات «ليغو»، تصور الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولين أميركيين وإسرائيليين في مشاهد ساخرة مرتبطة بالحرب. أحد المقاطع الأولى انتشر على نطاق واسع في مارس، ثم واصلت المجموعة إنتاج عشرات المقاطع التي توزع عبر منصات متعددة.

اللافت أن هذه المقاطع لا تعمل بالطريقة التقليدية للدعاية. فهي لا تطلب من المشاهد بالضرورة أن يصدق رواية سياسية محددة. إنها تحاول أولاً أن تجذب انتباهه، ثم تدفعه إلى الضحك والمشاركة وإعادة النشر. وهنا تكمن قوتها.

عندما وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذه المقاطع بأنها «فيديوهات ليغو غبية»، لم تختفِ الحملة، بل حصلت على دفعة إضافية. فقد أصبح تصريح مسؤول أميركي رفيع المستوى نفسه مادة لمقطع جديد يسخر منه. وهكذا يتحول رد الخصم إلى جزء من الحملة الدعائية.

هذه الطريقة تختلف عن الدعاية الرسمية التي كانت تعتمد على وسائل إعلام معروفة ورسائل سياسية مباشرة. ففي الماضي كانت الحملات الدعائية الكبيرة تحتاج إلى بنية مادية واضحة، ولذلك كان من الممكن في كثير من الحالات تتبع مصادرها. أما الآن فقد أصبحت أدوات الإنتاج الرخيصة تسمح بإنشاء محتوى يبدو أحياناً كأنه نتاج أفراد عاديين على الإنترنت.

وتزداد أهمية الأمر لأن المحتوى الساخر لا يقدم نفسه بالضرورة باعتباره خطاباً سياسياً. استخدام شخصيات «ليغو» في مشاهد الصواريخ والحروب يجعل العنف يبدو أقرب إلى السخرية منه إلى المادة الدعائية التقليدية. كما أن الشكل البصري مألوف لدى مستخدمي الإنترنت، ولذلك يمكن للمحتوى أن ينتشر داخل ثقافة الإنترنت قبل أن يتعامل معه الجمهور باعتباره رسالة سياسية.

وتوجد في الحسابات نفسها مواد فارسية مختلفة تماماً. فبدلاً من السخرية، تستخدم هذه المواد الأناشيد الدينية الشيعية وذكريات كربلاء وإشارات إلى الحرب العراقية الإيرانية، وتستحضر مفهوم «الدفاع المقدس». والجمهور المستهدف هنا مختلف: الإيرانيون والمتحدثون بالفارسية في المنطقة.

هذا التمييز مهم. فالرسالة الموجهة إلى الجمهور الغربي لا تحتاج إلى الأسلوب نفسه المستخدم مع الجمهور الإيراني. الأولى تعتمد على السخرية والإثارة والمشاركة، بينما تستند الثانية إلى الذاكرة الدينية والوطنية ومشاعر التضحية والمقاومة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما تنتقل هذه المواد خارج بيئتها الأصلية. فقد بدأ مستخدمون آخرون إنتاج مقاطع مشابهة لأغراض سياسية مختلفة، ما يعني أن التقنية والأسلوب يمكن أن ينفصلا عن الجهة التي طورتهما أول مرة.

والأهم أن التأثير لا يقاس دائماً بعدد الأشخاص الذين اقتنعوا برسالة معينة. يمكن للمحتوى السياسي أن يؤدي وظيفة مختلفة: إضعاف الثقة بالمؤسسات، وإغراق المجال العام بكمية ضخمة من المواد المتناقضة، وجعل الجمهور أكثر تشككاً في الأخبار والمصادر الرسمية.

وهنا تغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة. فإنتاج مادة دعائية ذات مستوى بصري مقبول لم يعد يتطلب ميزانية كبيرة أو فريقاً متخصصاً. يستطيع عدد صغير من الأشخاص تجربة عشرات الأفكار، وتعديلها بسرعة، وإعادة إنتاجها لجمهور مختلف وبأكثر من لغة.

لذلك فإن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها مجرد «مقاطع مضحكة» قد يكون مضللاً. قوتها ليست في أن الناس يصدقون كل ما يرونه، وإنما في قدرتها على احتلال مساحة من انتباههم، وتحويل السياسة إلى ترفيه، ثم جعل إعادة المشاركة نفسها جزءاً من الرسالة.

وقد تكون هذه هي المرحلة الجديدة في حرب المعلومات: لم يعد السؤال دائماً «هل صدق الجمهور الدعاية؟»، وإنما «كم من الوقت استطاعت الدعاية أن تبقى داخل وعي الجمهور، وكم مرة أعاد إنتاجها بنفسه؟».

المصدر الأصلي: Foreign Policy

اترك تعليقا