جزر المالديف تحوّل الوقف إلى مشروع تنموي

تزامنًا مع مرور 900 عام على دخول الإسلام

أطلقت جزر المالديف في 12 سبتمبر الجاري شركة حكومية جديدة لإدارة أصول الوقف واستثمارها، بالتزامن مع احتفال البلاد بمرور 900 عام على دخولها الإسلام، في خطوة تجمع بين تثبيت الهوية الدينية ومحاولة إيجاد موارد مالية مستدامة للشؤون الدينية والمشروعات الاجتماعية. وأصدر الرئيس محمد مويزو المرسوم الرئاسي رقم 14 لعام 2026 بإنشاء «شركة استثمارات أوقاف المالديف».

الشركة الجديدة مملوكة بالكامل للحكومة، ومهمتها لا تقتصر على إدارة الأوقاف القائمة، وإنما تشمل إنشاء مبانٍ وقفية، وصيانة المساجد وترميمها، وتطوير مرافقها، والدخول في أنشطة تجارية متوافقة مع الشريعة لتوليد عائدات مستدامة تموّل الأنشطة الدينية.

الإسلام جوهر السيادة الثقافية والاستقلال الوطني

وجاء القرار في لحظة رمزية للمالديف؛ فقد احتفلت البلاد في اليوم نفسه بمرور تسعة قرون على اعتناقها الإسلام. وقال الرئيس مويزو إن الإسلام يمثل جوهر السيادة الثقافية والاستقلال الوطني، وربط استمرار الهوية الإسلامية للبلاد بمستقبل الدولة وأمنها الاجتماعي. كما أعلن أن نظام الوقف يمكن أن يصبح أداة لتمويل النشاط الديني والمساهمة في التنمية الوطنية وصولاً إلى هدف جعل المالديف دولة متقدمة بحلول عام 2040

أوقاف المالديف

لكن أهمية الخطوة تتجاوز الجانب الديني. فالوقف تاريخياً كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية في عدد كبير من المجتمعات الإسلامية، إذ مول التعليم والرعاية الصحية والمساجد والمرافق العامة، ووفّر مورداً مستقلاً عن خزائن الحكومات. ويعيد القرار المالديفي طرح السؤال القديم بصورة حديثة: هل يمكن تحويل الأوقاف من ممتلكات ساكنة إلى أصول منتجة تخدم المجتمع على المدى الطويل؟

وتبدو الحكومة المالديفية راغبة في الإجابة بالإيجاب. فقد أشارت الرئاسة إلى أن الشركة ستقوم بأنشطة تجارية مستدامة، بينما أكد مويزو أن الأوقاف كانت تاريخياً من الأدوات المهمة في دعم الاقتصاد وتحسين رفاه الأفراد والمجتمعات.

ملف الحوكمة والشفافية

لكن تحويل الوقف إلى نشاط استثماري حكومي يفتح في المقابل ملف الحوكمة والشفافية. فنجاح التجربة يتطلب قواعد واضحة لتقييم الأصول، والإفصاح عن الإيرادات والمصروفات، وتحديد الجهة التي تراقب الاستثمارات، ومنع تحول الأموال الوقفية إلى مورد غير شفاف للإنفاق الحكومي. وهذه ليست مشكلة مالديفية وحدها؛ بل هي أحد أسباب تعثر بعض التجارب الوقفية الحديثة عندما غابت الإدارة المهنية والرقابة المستقلة.

وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسة أوسع تتبناها حكومة مويزو لإعادة تعريف الهوية الوطنية. وقالت وزيرة الفنون والثقافة والتراث هينا وليد إن الحكومة تعمل على استعادة الهوية المالديفية من خلال سياسات ومشروعات وبرامج لبناء القدرات، معتبرة أن دخول الإسلام إلى البلاد كان نقطة تحول أساسية في تكوين الثقافة الوطنية. كما دعت إلى مزيد من البحث التاريخي والأثري للحفاظ على الهوية.

ويعطي الرئيس السابق مأمون عبد القيوم، الذي أعاد خلال فترة حكمه إحياء الاحتفال بذكرى دخول الإسلام إلى المالديف، بعداً تاريخياً مختلفاً للحدث الحالي. فقد قال في 13 سبتمبر إن إرث تسعة قرون يحمل درساً للأجيال المقبلة، ودعا إلى التمسك بالإسلام باعتباره أساساً للهوية الوطنية.

الهوية والسيادة والسياسة الخارجية للدول الصغيرة

وفي السياق نفسه، نشر الباحث في جامعة المالديف الوطنية الدكتور عطاء الله أ. رشيد، في 2 سبتمبر، تحليلاً حول الهوية والسيادة والسياسة الخارجية للدول الصغيرة، مستنداً إلى حديث مستشار الأمن القومي إبراهيم لطيف عن ارتباط الهوية الإسلامية باستقلال المالديف وسلوكها الاستراتيجي. ويشير التحليل إلى أن الهوية ليست قضية ثقافية فقط بالنسبة إلى دولة صغيرة مثل المالديف، وإنما تدخل أيضاً في تصورها لأمنها وعلاقاتها الخارجية.

وهنا تكمن النقطة الأهم في التطور الأخير: المالديف لا تتعامل مع الوقف منفصلاً عن الهوية. فالحكومة تحاول بناء منظومة تربط الدين بالتعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية والاقتصاد الوقفي، وهو نموذج يمكن أن يكون مفيداً إذا أدى إلى زيادة استقلال المؤسسات الاجتماعية عن الموازنة العامة.

استثمارات تموّل المساجد والتعليم والمشروعات الاجتماعية

لكن نجاح النموذج سيعتمد على التطبيق. فإذا تحولت أصول الوقف إلى استثمارات رابحة تموّل المساجد والتعليم والمشروعات الاجتماعية مع نشر حسابات واضحة، فقد تقدم المالديف نموذجاً صغيراً لكنه قابل للدراسة في إدارة الوقف الحديث. أما إذا غلب الجانب السياسي على الاقتصادي، أو أصبحت الأصول الوقفية مرتبطة مباشرة بقرارات حكومية غير خاضعة لرقابة كافية، فقد يفقد المشروع جزءاً كبيراً من الغرض الذي أُنشئ من أجله.

وتشير الخطوة في النهاية إلى اتجاه أوسع في بعض الدول الإسلامية نحو إعادة بناء المؤسسات الدينية والاجتماعية بأدوات اقتصادية حديثة. والاختبار الحقيقي للمالديف لن يكون في الاحتفال بمرور 900 عام على الإسلام، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الإرث إلى تعليم أفضل، وخدمات اجتماعية أكثر استدامة، ومؤسسات وقفية شفافة تستطيع خدمة المجتمع لعقود قادمة.

المصادر:

رئاسة جمهورية المالديف، 12 سبتمبر 2026، إعلان إنشاء شركة استثمارات أوقاف المالديف.

رئاسة جمهورية المالديف، 12 سبتمبر 2026، كلمة الرئيس محمد مويزو بمناسبة مرور 900 عام على دخول الإسلام إلى البلاد.

صحيفة «صن» المالديفية، أزهر عبد العزيز، 12 سبتمبر 2026، حول الشركة الحكومية الجديدة لإدارة الأوقاف.

صحيفة «إديشن» المالديفية، شازما ثوفيق، 12 سبتمبر 2026، حول مشروعات المباني الوقفية الجديدة.

صحيفة «صن» المالديفية، أزهر عبد العزيز، 13 سبتمبر 2026، تصريحات الرئيس السابق مأمون عبد القيوم بشأن الإرث الإسلامي للبلاد.

جامعة المالديف الوطنية، الدكتور عطاء الله أ. رشيد، 2 سبتمبر 2026، تحليل الهوية والسيادة والسياسة الخارجية للدول الصغيرة.

اترك تعليقا