تصعيد غير مسبوق بين باكستان وأفغانستان

ما ينذر بصراع مفتوح

دخلت المواجهة بين باكستان وأفغانستان مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما شنت إسلام آباد غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لحكومة طالبان في كابول وقندهار وباكتيا، ووصفت قيادتها السياسية ما يجري بأنه “حرب مفتوحة”. ويأتي ذلك في سياق توتر متراكم على طول الحدود الممتدة لأكثر من 2600 كيلومتر، وسط تبادل اتهامات بشأن إيواء جماعات مسلحة تنفذ هجمات عبر الحدود.

قطيعة عسكرية بعد سنوات من الشد والجذب

للمرة الأولى منذ عودة طالبان إلى الحكم عام 2021، توجه باكستان ضربات مباشرة إلى مواقع تابعة للحكومة الأفغانية نفسها، وليس فقط إلى جماعات تصفها بأنها “خارجة عن القانون”. هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في قواعد الاشتباك، ويؤشر إلى انهيار ما تبقى من التفاهمات الأمنية غير المعلنة بين الطرفين.

وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أعلن صراحة أن صبر بلاده نفد، في إشارة إلى هجمات تتهم إسلام آباد جماعات متمركزة داخل أفغانستان بتنفيذها. في المقابل، أكد المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أن كابول تفضل حل النزاع عبر الحوار، رغم إعلان الحركة تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة قالت إنها استهدفت مواقع عسكرية باكستانية.

تضارب الأرقام بشأن الخسائر البشرية والعسكرية يعكس غياب رواية موحدة، ويزيد من صعوبة تقييم حجم الأضرار الفعلية. لكن المؤكد أن المواجهات البرية والقصف المتبادل أدخلا المناطق الحدودية في حالة استنفار شامل، مع تقارير عن تحركات مدفعية ثقيلة وعمليات إطلاق نار ليلية مكثفة.

أبعاد إقليمية ودولية معقدة

التصعيد لم يبقَ شأناً ثنائياً. فقد تحركت أطراف إقليمية ودولية للدعوة إلى التهدئة. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أجرى اتصالات مع نظرائه في البلدين، في مسعى لاحتواء الموقف. كما أعربت بريطانيا عن قلقها عبر وزيرة خارجيتها إيفيت كوبر، داعية إلى خفض فوري للتصعيد.

من جهتها، أبدت روسيا قلقها من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، رغم أنها الدولة الوحيدة التي تعترف رسمياً بحكومة طالبان، وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات وثيقة مع باكستان. هذا التوازن الروسي يعكس حساسية الموقف، حيث تخشى موسكو من فوضى جديدة قد تمتد آثارها إلى آسيا الوسطى.

كما طُرحت وساطات محتملة من السعودية والصين وقطر، بينما عرضت إيران المساعدة، في وقت تخوض فيه طهران محادثات حساسة مع واشنطن بشأن ملفها النووي. هذا التشابك الدبلوماسي يؤكد أن أي انفجار واسع بين كابول وإسلام آباد سيحمل تداعيات تتجاوز حدودهما المباشرة.

ميزان القوة واحتمالات التصعيد

تمتلك باكستان قدرات عسكرية متقدمة، وهي قوة نووية، ما يمنحها تفوقاً تقنياً واضحاً في أي مواجهة تقليدية. في المقابل، راكمت طالبان خبرة طويلة في حرب العصابات خلال عقدين من القتال، ما قد يمكّنها من استنزاف خصمها في حال تحوّل النزاع إلى صراع طويل الأمد منخفض الحدة.

المعضلة الأساسية تكمن في طبيعة الحدود الجبلية الوعرة، التي لطالما شكّلت ملاذاً آمناً للجماعات المسلحة. باكستان تتهم كابول بعدم كبح نشاط مسلحين يشنون هجمات داخل أراضيها، بينما تصر طالبان على أن أمن باكستان شأن داخلي. هذا الخلاف البنيوي يجعل أي تهدئة مؤقتة عرضة للانهيار عند أول حادث أمني كبير.

على الصعيد الداخلي، رفعت السلطات الباكستانية مستوى التأهب الأمني، خصوصاً في إقليم البنجاب، تحسباً لهجمات انتقامية في المراكز الحضرية. كما اتخذت إجراءات بحق مهاجرين أفغان، في خطوة قد تزيد التوتر المجتمعي وتخلق أبعاداً إنسانية إضافية للأزمة.

في أفغانستان، أظهرت مشاهد الدمار في بعض أحياء كابول وقندهار حجم المخاطر التي يتعرض لها المدنيون. ومع أن الطرفين يعلنان استهداف مواقع عسكرية، فإن طبيعة القتال في بيئات حضرية تزيد احتمالات وقوع ضحايا مدنيين، ما قد يفاقم الضغوط الدولية.

بين الردع والحوار

يقف الطرفان اليوم أمام خيارين: إما تثبيت قواعد ردع جديدة عبر تصعيد محسوب، أو العودة إلى مسار تفاوضي برعاية إقليمية. التجربة السابقة في أكتوبر الماضي، حين أوقفت وساطات تركية وقطرية وسعودية اشتباكات دامية، تشير إلى أن قنوات الاتصال لا تزال ممكنة.

غير أن حدة الخطاب السياسي، واستخدام توصيف “الحرب المفتوحة”، يرفعان سقف التوقعات الشعبية ويصعّبان التراجع دون مكاسب واضحة. وفي منطقة تعجّ بالسلاح والتوترات التاريخية، قد يكفي خطأ تكتيكي واحد لإشعال مواجهة أوسع.

في المحصلة، لا يبدو أن أياً من الطرفين يسعى إلى حرب شاملة، لكن ديناميات التصعيد المتبادل قد تدفعهما إلى ما هو أبعد مما يخططان له. وبينما تراقب العواصم الكبرى التطورات بقلق، يبقى المدنيون على جانبي الحدود الحلقة الأضعف في معادلة صراع يتأرجح بين الردع والانفجار.