بين مضيقين ..… لماذا تحارب السعودية وحدها ؟؟؟

ماجدة القاضي

تبدو الحرب في الشرق الأوسط، للمفارقة، وكأنها خفتت على جبهاتها الأساسية، لكنها تركت السعودية في مواجهة مباشرة مع واحدة من أقدم أزماتها: حرب الحوثيين والتى صار البعض يطلق عليها فيتنام السعودية .
فبينما تراجعت المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، و جبهة حزب الله هادئة نسبيًا على الاقل الان ، هذا وتحاول دول الخليج الأخرى إدارة تداعيات الحرب من دون الانخراط في مواجهة مماثلة.
أما في السعودية، فتصل الصواريخ الحوثية إلى الرياض، وتعود الضربات السعودية إلى اليمن، بينما تقاتل قوات يمنية مدعومة من المملكة على الساحل الغربي وفي اتجاه باب المندب.
لكن عودة الحرب لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع فرضتها الحرب على خريطة السعودية. فالمملكة تواجه ضغطًا متزامنًا عند طرفيها البحريين: هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب.
كلما أصبح مضيق هرمز أقل أمانًا، ازدادت أهمية البحر الأحمر بوصفه منفذًا بديلًا للصادرات السعودية. وينقل خط أنابيب شرق–غرب النفط من الحقول الشرقية إلى ينبع، متجاوزًا هرمز بالكامل. وخلال الأزمة ارتفعت أهمية الخط بشدة؛ فقد قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا كانت تمر عبره إلى ينبع قبل تعرضه لهجمات في سبتمبر.
لكن الوصول إلى ينبع لا ينهي المشكلة، بل يغير خريطتها.
فمن الساحل الغربي تستطيع السعودية إرسال النفط شمالًا باتجاه قناة السويس والأسواق الأوروبية من دون المرور بباب المندب. أما الشحنات المتجهة جنوبًا نحو المحيط الهندي والأسواق الآسيوية فتصطدم بمشكلة باب المندب. وعندما تعرض هذا الطريق للاضطراب، زادت السعودية بالفعل الشحنات المتجهة شمالًا عبر قناة السويس، رغم أن ذلك يمثل طريقًا أطول وأكثر كلفة للوصول إلى العملاء في آسيا.
وهنا تظهر المفارقة بصورة أدق.
خط شرق–غرب يمنح السعودية قدرة حقيقية على تجاوز هرمز، لكنه لا يمنحها حرية كاملة في توزيع صادراتها إذا ظل أحد مدخلي البحر الأحمر مضطربًا.
وبذلك تكتسب حرب الحوثيين معنى مختلفًا. فالمملكة لا تواجه تهديدًا يأتي من جار جنوبي فحسب، بل تحاول أيضًا الحفاظ على مرونة المخرج البحري الذي ازدادت أهميته كلما أصبح هرمز أقل أمانًا.
تهديد باب المندب لا يغلق البديل السعودي لهرمز، لكنه يقيد أحد اتجاهاته ويرفع كلفة استخدام الاتجاه الآخر.
لهذا تختبر المعركة الحالية قدرتين في آن واحد: قدرة السعودية على مواجهة الحوثيين عسكريًا، وقدرتها على الحفاظ على البحر الأحمر كممر مفتوح في الاتجاهين إذا ظل هرمز عرضة للاضطراب.
لكن ثمة اختبارًا ثالثًا لا يقل أهمية: من سيخوض هذه الحرب؟
السعودية لا تحارب وحدها لأنها بلا حلفاء، بل لأن التحالفات المحيطة بها صنعت ، أو فُهمت حتى الآن، لحمايتها أكثر مما صُممت لخوض حرب داخل اليمن نيابة عنها.
وبينما تتشارك دول كثيرة مصلحة الحد من التهديد الحوثي وتأمين الملاحة، فإنها لا تتشارك بالدرجة نفسها مصلحة تحمل كلفة تغيير ميزان القوى اليمني بالقوة.
هنا تضيق دائرة المستفيدين إلى دائرة المقاتلين، وتبقى السعودية والقوى اليمنية المتحالفة معها في مركزها.
فالولايات المتحدة تقدم دعمًا استخباراتيًا، فيما توفر تركيا وباكستان أشكالًا من الدعم العسكري والتقني والدفاعي. لكن القتال المباشر يظل سعوديًا–يمنيًا إلى حد بعيد. وحتى تركيا، الشريك في اتفاق مكة الدفاعي، رسمت الحد بوضوح عندما قال وزير خارجيتها هاكان فيدان إن الاتفاق دفاعي، وإن أنقرة يمكنها مساعدة السعودية في الدفاع الجوي والاحتياجات العسكرية، لكنها لن ترسل قوات لشن عمليات هجومية داخل دولة أخرى.
وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل تستطيع السعودية خوض حربها بنفسها، بينما يساندها حلفاؤها من دون أن يخوضوا الحرب نيابة عنها؟
ربما يكون هذا هو الاختبار السعودي الأهم. فالمسألة لم تعد فقط قدرة المملكة على مواجهة الحوثيين، وإنما قدرتها على فعل ذلك ضمن نموذج مختلف للحماية بدأت تجربته : الحلفاء يوفرون المعلومات والسلاح والدفاع والدعم التقني، بينما تتحمل الرياض وحلفاؤها اليمنيون العبء المباشر للحرب.
ونجاح هذا النموذج ستكون له دلالة تتجاوز اليمن.
فإذا استطاعت السعودية إدارة مواجهة بهذا الحجم اعتمادًا على قدراتها وقوات محلية حليفة، مع بقاء الولايات المتحدة وشركاء آخرين في طبقات الإسناد والمعلومات والتسليح والدفاع، فقد تكون هذه بداية نموذج أمني مختلف في الخليج: دول المنطقة تتحمل قدرًا أكبر من التنفيذ والكلفة العسكرية، بينما يحتفظ الحلفاء الخارجيون بالأدوار التي يصعب الاستغناء عنها من دون أن يكونوا هم من يخوض الحرب.
قد تكون اليمن، بهذا المعنى، ساحة الاختبار الأولى لنظام أمني لا تنسحب منه الولايات المتحدة وحلفاء الخليج، لكنهم يتحركون فيه خطوة إلى الخلف، بينما يتحرك الشريك المحلي خطوة إلى الأمام.
لكن اختبار السعودية لا يتوقف عند قدرتها على القتال.
فكلما تحركت المملكة غربًا لتقليل اعتمادها على هرمز، ازدادت أهمية البحر الأحمر كله في حساباتها. وهنا لا يظهر طرف آخر على الخريطة فحسب، بل نطاق جغرافي كامل يمتد من قناة السويس شمالًا إلى باب المندب والقرن الإفريقي جنوبًا.
وفي قلب هذه الخريطة تظهر مصر.
القاهرة لا تحتاج إلى تبني الحسابات السعودية حتى تتقاطع معها. فاضطراب باب المندب والبحر الأحمر يهدد الطريق المؤدي إلى قناة السويس، التي دفعت بالفعل ثمن اضطراب الملاحة منذ بدء هجمات البحر الأحمر.
كما أن أمن باب المندب لا يتحدد على الضفة اليمنية وحدها. فالضفة الإفريقية، من إريتريا وجيبوتي إلى الصومال، جزء من المعادلة نفسها، وهو ما يمنح التحركات المصرية المتزايدة في القرن الإفريقي معنى إضافيًا عندما توضع إلى جوار ما يجري على الضفة الأخرى.
السعودية تحتاج إلى بحر أحمر آمن حتى تحتفظ بمخرج استراتيجي لهرمز وبحرية حركة صادراتها شرقًا وغربًا، ومصر تحتاج إلى البحر نفسه حتى يظل الطريق الجنوبي إلى قناة السويس مفتوحًا ومستقرًا.
وفي هذا السياق يستحق لقاء السيسي ومحمد بن سلمان الشهر الماضي أن يُقرأ على الخريطة. فالبيان الرسمي لم يكتف بالتضامن السياسي، وإنما تحدث صراحة عن أمن وحرية الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وأكد دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها.
لا يعني ذلك أن القاهرة تستعد للدخول في الحرب السعودية، ولا توجد معلومات تسمح بهذا الاستنتاج.
لكنها لا تحتاج أصلًا إلى الدافع السعودي نفسه حتى تتقاطع مصالح البلدين.
السعودية تريد حماية مرونتها بين هرمز والبحر الأحمر، ومصر تريد حماية الطريق المؤدي إلى قناة السويس، فيما تجعل التحركات المصرية على الضفة الإفريقية أمن باب المندب جزءًا من حساب جغرافي أوسع.
الدافع مختلف، لكن الجغرافيا تقود المصلحتين إلى النقطة نفسها.
لهذا لا تعود السعودية إلى حربها القديمة مع الحوثيين بالشروط القديمة. إنها تخوضها هذه المرة تحت ضغط هرمز، وفي محاولة للحفاظ على حرية الحركة في البحر الأحمر، ومع حلفاء يقدمون لها ما تحتاجه للحرب من دون أن يخوضوها نيابة عنها.
إنه اختبار لقدرة المملكة على تحمل العبء العسكري لنموذج أمني يمنح دول المنطقة دورًا أكبر في حماية نفسها، بينما يبقى الدعم الخارجي في الخلفية. وإذا نجح، فقد لا تكون حرب اليمن مجرد جولة جديدة في الصراع السعودي–الحوثي، بل أول اختبار فعلي لصيغة أمنية جديدة في الخليج.
ولهذا الاختبار نتيجة جغرافية أخرى أيضًا.
فكلما حاولت السعودية تقليل اعتمادها على هرمز، ازدادت أهمية البحر الأحمر في أمنها. وكلما ازدادت أهمية البحر الأحمر للسعودية، اتسعت مساحة تقاطع أمن الخليج مع المصالح المصرية ومع أمن القرن الإفريقي.
ليس لأن القاهرة والرياض اختارتا بالضرورة الطريق نفسه.
بل لأن الجغرافيا لها أحكامها

اترك تعليقا