بريكس يختبر قدرة الجنوب على صناعة التوازن
«إعلان نيودلهي»
- dr-naga
- 13 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- «إعلان نيودلهي», إثيوبيا, إندونيسيا, إيران, الإمارات, البرازيل, الصين, جنوب أفريقيا, دول مجموعة بريكس, روسيا, مصر
الرائد// في أحدث تطور دولي، نجحت دول مجموعة بريكس في إصدار إعلان مشترك خلال قمتها المنعقدة في نيودلهي، بعد مفاوضات صعبة كادت تعطل التوافق بسبب الخلافات بين إيران والإمارات حول الحرب في الشرق الأوسط. وجاء الاتفاق في 12 سبتمبر/أيلول، فيما تتولى الهند رئاسة المجموعة، وتشارك فيها إلى جانب إيران والإمارات كل من السعودية ومصر وإندونيسيا والصين وروسيا والبرازيل وإثيوبيا وجنوب أفريقيا.
«إعلان نيودلهي»
المفارقة الأهم أن الدول المتعارضة إقليمياً تمكنت من التوقيع على وثيقة واحدة. فقد دعت «إعلان نيودلهي» إلى أقصى درجات ضبط النفس في الشرق الأوسط، وإلى معالجة النزاعات بالحوار والدبلوماسية، من دون تسمية الولايات المتحدة مباشرة في الجزء المتعلق بالتصعيد. وكان هذا التوازن ضرورياً لتجنب انهيار الإجماع داخل مجموعة تضم دولاً ترتبط بعلاقات مختلفة تماماً مع واشنطن وطهران.
وتكشف المفاوضات عن تحول مهم في طبيعة بريكس نفسها. فالمجموعة لم تعد مجرد إطار اقتصادي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، بل أصبحت تضم قوى إقليمية متنافسة ومصالح سياسية متباينة. ولذلك فإن مجرد الوصول إلى وثيقة مشتركة بشأن حرب تمس إيران ودول الخليج والولايات المتحدة يحمل دلالة سياسية تتجاوز مضمون البيان نفسه.
وكانت الهند صاحبة الدور الأكبر في تجاوز الأزمة. واستمرت المفاوضات حتى الساعات الأولى من صباح السبت لإيجاد صياغة تقبلها طهران وأبوظبي والرياض في آن واحد. واعتبرت وسائل إعلام هندية أن نجاح نيودلهي في تقريب المواقف يمثل إنجازاً دبلوماسياً مهماً لرئاسة الهند للمجموعة.
كتلة سياسية غير متجانسة
وتتمثل المشكلة الأساسية أمام الهند في كيفية صياغة بيان ختامي لا يتحول إلى ساحة مواجهة بين طهران وأبوظبي. فقد حالت الخلافات بين البلدين دون صدور بيان مشترك لوزراء خارجية بريكس في مايو، وفق رويترز، وهو ما جعل قمة القادة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة المجموعة على اتخاذ قرارات بالتوافق.
ولا يتعلق الخلاف بالشرق الأوسط وحده. فداخل بريكس نفسها توجد رؤى مختلفة لطبيعة المجموعة. روسيا والصين تنظران إليها بدرجة أكبر باعتبارها منصة لإعادة توزيع القوة العالمية بعيداً عن الهيمنة الغربية، بينما تفضل الهند والبرازيل التركيز على الاقتصاد وإصلاح المؤسسات الدولية، بدلاً من تحويل بريكس إلى تحالف سياسي مناهض للولايات المتحدة.
لكن الاتفاق لا يعني أن بريكس أصبحت كتلة سياسية متجانسة. فالخلافات بين أعضائها عميقة: الهند والصين لديهما تنافس استراتيجي، وروسيا والصين تختلفان في بعض الملفات عن الهند، فيما ترتبط الإمارات والسعودية بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بينما تخوض إيران مواجهة مفتوحة مع واشنطن. لذلك فإن قدرة المجموعة على إنتاج قرارات ملزمة ستظل محدودة إذا تعارضت الملفات مع المصالح المباشرة للدول الأعضاء.
وهذا التباين يضع الدول الإسلامية أمام فرصة ومأزق في الوقت نفسه. إيران تستطيع استخدام عضويتها لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والمالية بعيداً عن الضغط الغربي، بينما تستفيد الإمارات ومصر وإندونيسيا من الوصول إلى أسواق وشركاء جدد دون الالتزام بسياسة مواجهة مباشرة مع واشنطن.
وتظهر هذه الحدود بوضوح في صياغة الإعلان. فالدول الأعضاء شددت على الحوار واحترام القانون الدولي ورفض الإجراءات الاقتصادية الأحادية، لكنها لجأت إلى لغة عامة في ملف الحرب الشرق أوسطية، وهو ما سمح للأطراف المختلفة بتفسير الوثيقة وفق مواقفها الوطنية.
القيود التجارية والتعريفات والإجراءات الاقتصادية الأحادية
ومع ذلك، فإن الجانب الاقتصادي قد يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل. فإعلان بريكس انتقد القيود التجارية والتعريفات والإجراءات الاقتصادية الأحادية التي تعطل سلاسل الإمداد وتزيد عدم اليقين، كما أكد ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية وزيادة تمثيل الدول النامية في عملية صنع القرار العالمي.
وتبرز هنا أهمية مشاركة السعودية والإمارات ومصر وإيران وإندونيسيا في المجموعة. فهذه الدول لا تمثل فقط أسواقاً كبيرة أو منتجين للطاقة، وإنما تربط بين الخليج وآسيا وأفريقيا. وإذا تطورت بريكس من إطار سياسي إلى شبكة فعلية للتجارة والاستثمار والتمويل، فقد تصبح الدول الإسلامية الأعضاء جسراً بين الاقتصادات الآسيوية والعربية والأفريقية بدلاً من اقتصار دورها على التصويت داخل القمم.
والتطور اللافت الآخر أن الصين ستتولى رئاسة بريكس في 2027. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستنتقل من الرئاسة الهندية، التي حاولت إبقاء المجموعة متوازنة بين الشرق والغرب، إلى الصين، صاحبة المشروع الأكبر لتوسيع نفوذ بريكس وإعادة تشكيل المؤسسات الاقتصادية الدولية. وقد أعلن القادة بالفعل دعمهم للصين لاستضافة القمة المقبلة.
أراء وتحليلات
ويرى تحليل نشرته «فايننشال تايمز» أن قمة نيودلهي تعكس طموح الصين إلى تقديم بريكس كبديل أو موازٍ للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن الخلافات الهندية الصينية والتباين بين أعضاء المجموعة يمنعانها حتى الآن من التحول إلى تحالف موحد.
كما يحمل الاجتماع بعداً علمياً وتقنياً لا ينبغي تجاهله. فقد رحب الإعلان بالتقدم في مشروع منظومة أقمار الاستشعار عن بعد لبريكس، وبإعداد إطار لمجلس للفضاء، إلى جانب التعاون في التقنيات الكمية ومشاركة البيانات العلمية. وهذا يشير إلى أن المنافسة المقبلة لن تكون اقتصادية فقط، وإنما ستشمل الفضاء والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
المحصلة أن بريكس نجحت في تجاوز أزمة كانت تهدد وحدتها، لكنها لم تحل خلافاتها. نجاحها الحقيقي سيقاس بعد القمة: هل تستطيع تحويل البيانات السياسية إلى تجارة وتمويل وتعاون علمي وأمني فعلي، أم ستبقى منصة للتنسيق بين دول متنافسة؟ وبالنسبة إلى السعودية والإمارات ومصر وإيران، فإن الإجابة ستكون أكثر أهمية من أي بيان يصدر في نيودلهي، لأن عضويتها في المجموعة تمنحها فرصة لبناء مسارات دولية جديدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها التوفيق بين مصالحها الوطنية وشبكة تحالفاتها القائمة.
المصادر:
إعلان نيودلهي لمجموعة بريكس، 12 سبتمبر/أيلول 2026؛ وكالة رويترز، 12–13 سبتمبر/أيلول 2026؛ «فايننشال تايمز»، 13 سبتمبر/أيلول 2026؛ «تايمز أوف إنديا»، 13 سبتمبر/أيلول 2026؛ «الإنديان إكسبريس»، 13 سبتمبر/أيلول 2026.