انتخابات البوسنة تعيد الاستقطاب القومي إلى الواجهة
إلى أين تتجه البوسنة بعد انتخابات أكتوبر؟
- dr-naga
- 7 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- البوسنة بعد انتخابات أكتوبر, البوسنة والهرسك, الصرب, انتخابات البوسنة والهرسك
أعادت الانتخابات التي جرت في البوسنة والهرسك في 4 أكتوبر الجاري رسم المشهد السياسي باتجاه أكثر قومية ومحافظة، مع تقدم واضح للأحزاب التي تمثل المكونات الصربية والكرواتية والبوشناقية، وهو تطور يثير مخاوف من عودة الاستقطاب السياسي وتعطيل مسار البلاد نحو الاتحاد الأوروبي.
وأظهرت النتائج تقدم حزب التحالف الاشتراكي الديمقراطي المستقل بزعامة ميلوراد دوديك في جمهورية صربسكا، وفوز مرشحة الاتحاد الديمقراطي الكرواتي داريا نا فيليبوفيتش بالمقعد الكرواتي في الرئاسة الثلاثية، بينما احتفظ البوشناق بتمثيلهم من خلال دينيس بيتشيروفيتش.
وتكمن أهمية النتيجة بالنسبة للمسلمين في البوسنة في أن التوازن داخل مؤسسات الدولة أصبح أكثر ارتباطًا بالأحزاب القومية الثلاثة، وهو ما قد يحد من مساحة القوى التي تحاول بناء هوية سياسية بوسنية تتجاوز الانقسام العرقي الذي كرّسه اتفاق دايتون بعد حرب التسعينيات.
ويقول الأستاذ صاعير فيلاندرا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سراييفو، إن النتائج تعكس اتجاهاً أوسع نحو تقوية التيارات المحافظة والقومية في أوروبا، ويربط ذلك بحالة عدم اليقين والخوف التي يعيشها الناخبون في ظل الأزمات الأوروبية والدولية. وفي المقابل، يرى المحلل المستقل سريتشكو لاتال أن انخفاض الإقبال على التصويت يمثل مؤشرًا آخر على حالة اللامبالاة السياسية التي بدأت تتسع داخل المجتمع.
وتشير النتائج إلى أن حزب العمل الديمقراطي، الذي يمثل قوة رئيسية بين البوشناق، حافظ على موقع متقدم داخل اتحاد البوسنة والهرسك، لكن الصورة العامة لا تمنح التيار المدني متعدد القوميات القوة التي كان يأمل بها. ويعني ذلك أن تشكيل الحكومات المقبلة سيحتاج إلى تفاهمات بين قوى قومية متنافسة، وهو ما قد يعيد إنتاج حالة التعطيل السياسي التي عانت منها البلاد لسنوات.
ويرى المحلل السياسي ماركو ماركوفينا أن احتمال تشكل محور يجمع حزب العمل الديمقراطي البوشناقي مع حزب دوديك الصربي والاتحاد الديمقراطي الكرواتي قائم، لكنه لا ينظر إلى مثل هذا السيناريو بتفاؤل، مستندًا إلى تجربة هذه الأحزاب في إدارة البلاد خلال مراحل سابقة. واعتبر أن البوسنة تتحرك في اتجاه معاكس للتكامل السياسي، في وقت تزداد فيه التيارات القومية في محيطها الأوروبي.
المسألة لا تتوقف عند توزيع المقاعد. فوجود دوديك وحلفائه في موقع قوي يعيد أيضًا مسألة العلاقة مع روسيا إلى النقاش. دوديك، الذي لا يزال من أبرز السياسيين الصرب الموالين لموسكو، احتفى بنتائج حزبه وربط نجاحه بما وصفه بالدعم السياسي الذي تلقاه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهذا قد يزيد صعوبة بناء سياسة خارجية بوسنية موحدة تجاه الاتحاد الأوروبي والحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الجانب الآخر، فإن استمرار قوة الأحزاب البوشناقية يعني أن المسلمين في البوسنة ما زالوا يمتلكون ثقلًا سياسيًا مهمًا، لكن التحدي بالنسبة لهم يتمثل في كيفية تحويل هذا الثقل إلى مشروع وطني قادر على جذب الصرب والكروات أيضًا، بدل بقاء السياسة أسيرة الحسابات العرقية.
كما أن انخفاض المشاركة الانتخابية إلى نحو 40 بالمئة يبعث برسالة لا تقل أهمية عن نتائج الأحزاب؛ إذ يبدو أن جزءًا من المواطنين، وخصوصًا الشباب، أصبح أقل ثقة في قدرة النظام السياسي المعقد الذي أفرزه اتفاق دايتون على حل مشكلات الحياة اليومية أو إنهاء الانقسامات السياسية.
ومن الناحية الأوروبية، تأتي الانتخابات في توقيت حساس؛ إذ يضع الاتحاد الأوروبي إصلاح مؤسسات الدولة وسيادة القانون والتقدم في مسار الانضمام ضمن الملفات الرئيسية المطروحة خلال المرحلة المقبلة. وتؤكد وثيقة حديثة للبرلمان الأوروبي أن قمة الاتحاد المقررة في 15 و16 أكتوبر ستناقش أيضًا ملف التوسع والإصلاحات والهجرة والأمن الأوروبي. ولذلك فإن قدرة البوسنة على تجاوز الاستقطاب الداخلي ستؤثر مباشرة في فرص تقدمها الأوروبي.
وخلف النتائج الانتخابية توجد معادلة أكثر عمقًا: البوسنة لا تعاني فقط من خلاف بين أحزاب، وإنما من نظام سياسي يجعل الانتماءات القومية جزءًا أساسيًا من توزيع السلطة. ولذلك فإن صعود القوميين لا يعني بالضرورة عودة الحرب، كما أن حصولهم على نتائج قوية لا يعني تلقائيًا تفكك الدولة؛ لكنه يجعل تشكيل حكومة فعالة وإجراء إصلاحات مؤسساتية أكثر صعوبة.
والأيام المقبلة ستكون حاسمة في معرفة ما إذا كانت القوى البوشناقية والكرواتية والصربية ستتجه إلى ائتلافات عملية تركز على الاقتصاد والاتحاد الأوروبي والخدمات، أم ستعود إلى استخدام الملفات القومية كورقة تفاوضية. وإذا غلب الخيار الثاني، فقد تدخل البوسنة مرحلة جديدة من الجمود السياسي، بينما تظل عضوية الاتحاد الأوروبي هدفًا معلنًا أكثر من كونها مسارًا سريعًا.
المصادر: وكالة أسوشيتد برس، 5 أكتوبر 2026؛ الجزيرة، 5 أكتوبر 2026؛ البرلمان الأوروبي، 5 أكتوبر 2026.