العراق أمام اختبار نزع سلاح الفصائل
وسط ترقب أمني وسياسي
- dr-naga
- 10 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- العراق, الولايات المتحدة, بغداد, نزع سلاح الفصائل في العراق
يواجه العراق اختبارًا سياسيًا وأمنيًا حساسًا مع اقتراب الموعد الذي حددته حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي لنزع سلاح الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في وقت تستعد فيه القوات التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء وجودها المتبقي في البلاد. وتزداد صعوبة المهمة لأن الفصائل المعنية لا تتعامل مع الملف باعتباره قرارًا حكوميًا داخليًا فقط، بل تربطه بمستقبل الوجود الأميركي وبطبيعة العلاقة بين بغداد وطهران.
وبحسب تقرير نشرته رويترز في 9 سبتمبر، تعهد الزيدي للرئيس الأميركي دونالد ترامب بإحراز تقدم في نزع سلاح الفصائل بحلول 30 سبتمبر، بالتزامن مع الانسحاب المقرر للقوات الأميركية. لكن جماعات مسلحة بارزة، بينها كتائب حزب الله، ترفض الموعد وتطالب أولًا بضمان خروج أميركي دائم وإنهاء ما تعتبره نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا لواشنطن.
وتكشف المواجهة الأخيرة بين الحكومة وبعض عناصر الفصائل أن المشكلة لم تعد نظرية. فقد أدت عمليات اعتقال نفذتها القوات الخاصة العراقية إلى تهديدات وردود سياسية من الفصائل، بما يعكس حدود قدرة الدولة على استخدام القوة ضد جماعات تمتلك سلاحًا وتنظيمًا ونفوذًا سياسيًا واقتصاديًا متجذرًا. وتشير رويترز إلى أن الفصائل المرتبطة بما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» تضم عشرات الآلاف من المقاتلين وتمتلك قدرات عسكرية ومصالح اقتصادية واسعة.
المشكلة التاريخية أن العراق لم يصل إلى هذه النقطة من فراغ. فمنذ الغزو الأميركي عام 2003، ثم انهيار قطاعات واسعة من الدولة أمام تنظيم «داعش» عام 2014، توسع دور القوى المسلحة خارج المؤسسة العسكرية التقليدية. وأسهمت الحرب على التنظيم في منح عدد من الفصائل شرعية شعبية ورسمية، قبل أن يتحول بعضها تدريجيًا إلى قوة سياسية واقتصادية يصعب فصلها عن الدولة بقرار إداري واحد.
وهنا يظهر الخلاف الأساسي: الحكومة تريد احتكار السلاح باعتباره شرطًا لسيادة الدولة، بينما ترى الفصائل أن وجودها المسلح مرتبط بمخاطر خارجية، خصوصًا إسرائيل والولايات المتحدة. ولذلك فإن مطالبتها بانسحاب القوات الأميركية قبل تسليم السلاح تعني عمليًا قلب ترتيب الأولويات الذي تريده بغداد وواشنطن.
لكن استمرار هذا الوضع يحمل كلفة على العراق نفسه. فالدولة التي توجد داخلها مراكز قوة مسلحة متعددة تجد صعوبة في رسم سياسة خارجية مستقلة بالكامل، كما أن المستثمرين ينظرون بحذر إلى بلد يمكن أن يتحول فيه الصراع الإقليمي إلى مواجهات داخلية. ويصبح الاقتصاد، وليس الأمن وحده، متأثرًا بمستوى الاستقرار السياسي.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل سؤال آخر: ماذا سيحدث إذا جرى نزع السلاح تحت ضغط أميركي مباشر؟ ففرض القرار بالقوة قد يؤدي إلى مواجهة داخلية، بينما التساهل معه قد يرسخ واقعًا تصبح فيه الحكومة عاجزة عن تنفيذ قراراتها على جماعات أقوى منها في بعض المناطق والملفات.
وتكمن حساسية الموقف أيضًا في أن العراق يقع بين قوتين متنافستين. واشنطن تريد أن يكون الانسحاب العسكري مصحوبًا بقدرة أكبر للدولة العراقية على ضبط أراضيها، بينما تمتلك طهران علاقات طويلة مع فصائل عراقية لا ترى في النفوذ الإيراني مجرد علاقة خارجية تقليدية. ومع تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية في المنطقة، يصبح العراق أكثر عرضة لأن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وتشير التطورات إلى أن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بعدد الأسلحة التي ستتم مصادرتها، وإنما بقدرتها على بناء تسوية تجعل انتقال الفصائل من العمل المسلح إلى العمل السياسي ممكنًا من دون أن تشعر بأنها تفقد وجودها أو حماية قواعدها الاجتماعية. وفي المقابل، فإن استمرار الفصائل في الاحتفاظ بقوتها العسكرية بحجة مواجهة الخارج سيبقي الدولة أمام معادلة مزدوجة: حكومة رسمية وسلاح خارج سيطرتها الكاملة.
والسيناريو الأكثر احتمالًا في المدى القريب ليس مواجهة شاملة ولا تسليمًا سريعًا للسلاح، بل مفاوضات صعبة وتأجيلات ومحاولات لإعادة تعريف مفهوم «السلاح تحت الدولة». وقد تسعى بغداد إلى دمج بعض العناصر في المؤسسات الرسمية أو إخضاع السلاح الثقيل تدريجيًا، بينما تبقي الفصائل على أوراق ضغط سياسية وأمنية.
أما إذا فشلت هذه التسوية قبل موعد 30 سبتمبر، فقد تدخل حكومة الزيدي أصعب اختبار منذ تشكيلها: إما مواجهة فصائل مسلحة مدعومة سياسيًا، أو التراجع عن التعهد الذي قطعته لواشنطن. وفي الحالتين ستتأثر صورة الدولة العراقية وقدرتها على اتخاذ قرار مستقل بين واشنطن وطهران.
المصادر:
•رويترز، 9 سبتمبر 2026، «لماذا يعجز حليف الولايات المتحدة العراق عن نزع سلاح حلفاء إيران المسلحين؟».
•تايمز أوف إنديا، 9 سبتمبر 2026، حول أزمة نزع سلاح الفصائل والموعد المحدد للحكومة العراقية.
•شبكة الجزيرة، 9 سبتمبر 2026، متابعة التطورات الإقليمية المرتبطة بالعراق وإيران.