الصادرات الصناعية الأردنية تنمو وسط تحديات التنويع والتنافسية

هيمنة الملابس والجلود تدفع الأردن نحو تنويع الصناعة

لم تعد زيادة الصادرات الصناعية وحدها كافية لقياس قوة الاقتصادات وقدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية، إذ تتوقف القيمة الحقيقية للنمو على تنوع المنتجات والأسواق، وقدرة المصانع على المنافسة، ومدى انعكاس النشاط التصديري على الاستثمار والتشغيل.

وفي “الأردن”، تقدم نتائج صادرات محافظة إربد خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مؤشرًا إيجابيًا على استمرار النشاط الصناعي، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحديات تتعلق بتركيز الصادرات في قطاعات محددة، مقابل مساعٍ حكومية لتوسيع القاعدة الإنتاجية عبر استقطاب استثمارات جديدة في صناعة السيارات وتجميعها.

صادرات إربد بين النمو وتركيز المنتجات..

سجلت صادرات غرفة صناعة “إربد” نموًا بنسبة 7.3% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، لتصل إلى 934.1 مليون دولار، مقارنة بنحو 870.6 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 63.5 مليون دولار، وبلغ عدد شهادات المنشأ الصادرة عن الغرفة خلال الفترة نفسها 12,072 شهادة، وفق بيانات وكالة الأنباء الأردنية «بترا» المنشورة في 9 أكتوبر.

وتصدرت الصناعات الجلدية والمحيكات، التي تشمل الملابس والمنسوجات، قائمة الصادرات بقيمة 823 مليون دولار، بما يعادل نحو 88% من الإجمالي، وجاءت الصناعات التموينية والغذائية والزراعية والثروة الحيوانية في المرتبة الثانية بقيمة 50 مليون دولار، تلتها الصناعات العلاجية واللوازم الطبية بأكثر من 26.6 مليون دولار، ثم الصناعات الكيميائية ومستحضرات التجميل بأكثر من 21 مليون دولار.

كما سجلت الصناعات البلاستيكية والمطاطية أكثر من 6.5 مليون دولار، والصناعات الهندسية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات أكثر من 2.7 مليون دولار، فيما بلغت صادرات الصناعات الإنشائية 2.5 مليون دولار، والتعبئة والتغليف والورق والكرتون واللوازم المكتبية نحو مليون دولار، وتوضح هذه الأرقام أن النمو يستند إلى قاعدة تصديرية نشطة، لكنها شديدة التركّز؛ فاستحواذ الملابس والمنتجات الجلدية على الحصة الأكبر يجعل أداء المحافظة مرتبطًا بدرجة كبيرة بالطلب على هذه المنتجات وتكاليف تصنيعها وشروط النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

جغرافيًا، تصدرت “الولايات المتحدة” الوجهات المستوردة لصادرات “إربد” الصناعية بأكثر من 634 مليون دولار، تلتها “هولندا” بنحو 37.6 مليون دولار، ثم “ألمانيا” بـ32.8 مليون دولار، و”السعودية” بـ23.5 مليون دولار، و”كندا” بـ21.6 مليون دولار، ويعكس هذا التوزيع أهمية السوق الأميركية، لكنه يبرز أيضًا الحاجة إلى توسيع قاعدة الأسواق والمنتجات، بما يقلل التعرض لتغيرات الطلب أو السياسات التجارية في وجهة رئيسية واحدة.

وعلى مستوى المناطق الصناعية، استحوذت مدينة الحسن الصناعية على نحو 898 مليون دولار من صادرات الغرفة، تلتها «سايبر سيتي» بأكثر من 29.8 مليون دولار، ويؤكد هذا التركّز أهمية المناطق الصناعية في دعم الصادرات، مع ضرورة تعزيز انتشار النشاط الإنتاجي وتوسيع مساهمة القطاعات الأقل حضورًا.

صناعة السيارات اختبار لتنويع الإنتاج..

في مسار موازٍ، وافق مجلس الوزراء الأردني في 6 أكتوبر 2026 على حزمة حوافز وإعفاءات لاستقطاب الاستثمارات في صناعة السيارات وتجميعها داخل منطقة الزرقاء التنموية، وترتبط الحوافز بحجم الاستثمار، وعمليات التصنيع أو التجميع المنفذة محليًا، وفرص العمل التي توفرها المشروعات للأردنيين.

وقال “فتحي الجبير” رئيس غرفة صناعة “عمّان”، في تصريحات لوكالة «بترا» نُشرت في 8 أكتوبر: إن الخطوة يمكن أن تسهم في توسيع القاعدة الإنتاجية، وجذب استثمارات نوعية، وتنويع هيكل الصادرات الصناعية الأردنية، ولا تتوقف أهمية هذا التوجه عند إنتاج السيارات أو تجميعها، إذ يمكن أن يفتح المجال أمام شركات محلية تعمل في الصناعات الهندسية والكهربائية والمعدنية والبلاستيكية والمطاطية والكيميائية، للمشاركة في توريد المكونات وقطع الغيار والمدخلات الصناعية.

غير أن تحويل الحوافز إلى مكاسب اقتصادية مستدامة يتطلب استقطاب شركات تمتلك الخبرة التقنية والتسويقية، وتطوير الموردين المحليين، وتأهيل العمالة الفنية، وربط الاستثمارات الجديدة بسلاسل الإنتاج والتصدير، فالتجميع وحده لا يضمن بالضرورة قيمة مضافة مرتفعة، ما لم يترافق مع زيادة المكون المحلي وانتقال تدريجي إلى مراحل تصنيع أكثر تقدمًا.

كما تظل النتائج الفعلية مرهونة بحجم الاستثمارات التي تدخل مرحلة التنفيذ، والوظائف التي تنشأ عنها، وقدرة المنتجات على المنافسة في الأسواق الخارجية، لذلك، لا يكفي تقييم نجاح السياسة الصناعية من خلال قيمة الحوافز المعلنة، بل ينبغي قياس أثرها الإنتاجي والتصديري والتشغيلي.

التنافسية تتجاوز أرقام الصادرات..

على المستوى الاقتصادي الأوسع، تبرز الحاجة إلى قراءة نمو الصادرات في سياق قدرة الشركات على تحمل تكاليف الإنتاج والنقل والتمويل، ومدى استفادة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من فرص التوسع، فارتفاع قيمة الصادرات مؤشر إيجابي، لكنه لا يثبت وحده تحسن الربحية أو ارتفاع الأجور أو زيادة فرص العمل، وتتطلب المحافظة على الزخم التصديري تحسين كفاءة الإنتاج، وتطوير المهارات الفنية، وتوسيع فرص التمويل أمام المشروعات القادرة على النمو، إلى جانب تعزيز الوصول إلى أسواق جديدة

كما أن تنويع المنتجات باتجاه الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية وغيرها يمكن أن يقلل الاعتماد النسبي على الملابس والمنتجات الجلدية، ويمنح الصادرات قاعدة أكثر تنوعًا، وبالنسبة إلى صناعة السيارات، سيكون الاختبار في قدرة الحوافز على إنشاء منظومة صناعية مترابطة، تتيح للشركات الأردنية المشاركة في التوريد والتصنيع، وتوفر وظائف مستدامة، وتضيف منتجات جديدة إلى سلة الصادرات.

في المحصلة، تعكس نتائج إربد قدرة الصناعة الأردنية على تعزيز حضورها الخارجي، بينما تمثل حوافز السيارات محاولة لتوسيع نطاق الإنتاج نحو أنشطة جديدة، لكن استدامة هذا المسار ستتوقف على تحويل النمو الكمي إلى تنويع إنتاجي حقيقي، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتحسين التنافسية، بحيث يصبح ارتفاع الصادرات أساسًا لنمو صناعي أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التقلبات الخارجية.

اترك تعليقا