السيادة والاستقلال الاستراتيجي في العلاقات الدولية

د وليد عبد الحي يكتب

يخضع القرار السياسي بشكل عام لشبكة من المتغيرات الداخلية والخارجية التي تحدد “المضمون المركزي” للقرار، وهذه المتغيرات الحاكمة للقرار تسري على كل الدول بغض النظر عن موقعها في النظام الدولي، مع الإقرار بالفارق بين أوزان هذه المتغيرات من دولة لأخرى، ومن زمن لآخر.

ويبدو أن النسيج الذي حاكته يد العولمة وأدى إلى ترابط الدول والمجتمعات في أغلب مناحي الحياة البيئية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية والعلمية، هو ما أدى إلى التزايد المضطرد لوزن المتغيرات الخارجية على حساب المتغيرات الداخلية عند صنع القرار أو اتخاذه، مما زاد من تعقيد عملية اتخاذ القرار، لأن الدولة مضطرة للأخذ في الاعتبار التزايد في عدد الدول أولاً وتنامي التداخل في الآثار المترتبة على أي نشاط دولي على أغلب الدول، ناهيك عن التطور المتواصل والتعديلات المتتالية لقواعد القانون الدولي الذي ينظم كل التفاعلات بين وحدات المجتمع الدولي.

فإذا علمنا أن وحدات المجتمع الدولي الفاعلة تضم نحو 206 دول و330 منظمة دولية أو إقليمية حكومية وما يقارب 7 آلاف منظمة دولية غير حكومية، و90 ألف شركة متعددة الجنسيات، و85 تنظيماً سياسياً مسلحاً في مناطق العالم المختلفة ونحو 400 منظمة إجرامية، تتضح لنا صورة صعوبة تجنب تأثيرات هذه القوى الخارجية على صنع القرار (أي صعوبة إعداد البدائل المختلفة للقرار) وصعوبة اتخاذ القرار (أي اختيار بديل محدد من بين تلك البدائل).[2]

الوجه الآخر في شبكة العلاقات الدولية يدور حول مفهوم “استقلالية القرار” بخاصة في القرار الخارجي،[3] والذي يعني “قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية والسعي وراء مصالحها وقيمها وأهدافها الوطنية دون إكراه أو سيطرة من أطراف أخرى في المجتمع الدولي”، وهو بمثابة أساس استقلالها السياسي وسيادتها.

وتتعدّد مؤشرات السيادة الاستراتيجية Strategic Sovereignty Index في أدبيات العلاقات الدولية على النحو التالي:[4]

1. السيادة الداخلية: وتتمثل معالمها المركزية في:

‌أ. تحكم السلطة السياسية في الشأن الداخلي في إطار حدود الدولة.

‌ب. السيادة في إطار الاعتماد المتبادل: وتتضح في قدرة الدولة على التحكم في حركة الأفراد والسلع والمعلومات ورؤوس الأموال من وإلى الدولة.

‌ج. السيادة القانونية دولياً: وتتضح في معدل الاعتراف الديبلوماسي بين الدولة والدول الأخرى.

‌د. السيادة الويستفالية: وتتمثل في القدرة على صدّ التدخل الخارجي في الشأن الداخلي.

1. السيادة الخارجية المستقلة حقاً: وتتجلى في عدة جوانب رئيسية هي:[5]

‌أ. السيادة وتقرير المصير: أي الحق الأساسي للدولة في إدارة شؤونها الداخلية وإقامة علاقاتها الخارجية على قدم المساواة مع الدول الأخرى.

‌ب. حرية الانحياز: القدرة على اختيار الحلفاء والشركاء، أو على العكس، البقاء على الحياد والاستقلال عن التكتلات الكبرى.

‌ج. الاستقلال في الموارد والاقتصاد: السيطرة على الموارد المحلية وصنع السياسات الاقتصادية، مما يسمح للدولة بإقامة التجارة وفقاً لشروطها الخاصة.

‌د. الديبلوماسية المستقلة: إجراء المفاوضات واتخاذ مواقف مبدئية بشأن القضايا العالمية بناءً على الأهداف والتوجهات الذاتية الداخلية فقط، بدلاً من مجرد اتباع أجندة القوى الأجنبية.

‌هـ. على الرغم من أن الاستقلال هو السمة الأساسية للدولة المعترف بها في القانون الدولي من الجانب الشكلي، إلا أنه نادرًا ما يعني الحرية المطلقة في عالم معولم، فما تزال الدول المستقلة ملتزمة بالقانون الدولي ومتشابكة في ديناميكيات القوة العالمية، مما يعني أن هامش المناورة المتاح للدولة غالباً ما يعتمد على قدراتها العسكرية والاقتصادية والمؤسسية، وهو ما يحدد مستوى استقلالية قرارها، دون تجاهل تعقيدات الترابط بين وحدات المجتمع الدولي مما فتح المجال للتنظير عن السيادة بعد الويستفالية Post-Westphalian Sovereignty،[6] والتي تعني جعل سيادة الدولة مشروطة وليست مطلقة، مما يضعها في إطار الخضوع للمساءلة امام المجتمع الدولي بخاصة في بعض القضايا كما هو حال حقوق الانسان، ونتيجة لتزايد اللاعبين من غير الدول في شبكة العلاقات الدولية، ولعل انضمام الدول الى الاحلاف والتكتلات او الترابط التقني مع هيئات اخرى يعني في جوهره تنازلاً من الدولة عن بعض صلاحياتها لقوى ما فوق الدولة.[7]

أولاً: قياس الاستقلالية والسيادة في القرار:

تمثّل أدبيات التكيّف السياسي Political Adaptation مدخلاً أساسياً لدراسة موضوع استقلالية القرار السياسي بخاصة الخارجي، فالتكيّف السياسي يمثل نمط الاستجابة من الدولة للتغيرات التي تصيب بنية المجتمع الدولي سواء في وحداته او ترتيب قواه القطبية او قواعده القانونية التي تنظم تفاعلاته، ويمكن اعتبار دراسات العالم الأمريكي جيمس روزينيو James Rosenau من أبرز أدبيات هذا الموضوع، ويحدد روزينيو أنماط التكيف طبقاً للتفاعل بين مطالب البيئة الداخلية (المجتمع المحلي أو الدولة) والبيئة الدولية، ويرى أن هناك أربعة أنماط للتكيف استناداً لقوة واستمرارية عوامل التغير الداخلية والخارجية.

د وليد عبد الحي – اكاديمي

السيادة والاستقلال الاستراتيجي“ في العلاقات الدولية …

(خاص بمركز الزيتونة).