السودان بين الحسم العسكري والتفاوض

المبادرة الأمريكية أمام اختبار صعب

دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة من التعقيد، بعد أن أعلن نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار أن الحسم العسكري هو الخيار المطروح حاليا ما لم تتوافر شروط جدية للعودة إلى التفاوض، في موقف يعكس اتساع الفجوة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ويضع المبادرات الدولية لإنهاء الحرب أمام اختبار صعب.

وقال عقار في تصريحات لقناة الجزيرة، السبت 22 أغسطس/آب 2026، إن الحكومة السودانية تشترط انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية قبل بدء أي مفاوضات، موضحا أن ملف نزع السلاح وبقية القضايا يمكن بحثها بعد انسحاب القوات وتجميعها في مناطق محددة.

وأكد في الوقت نفسه أن الحكومة السودانية لم ترفض الحوار، وأنها منفتحة على المبادرات التي يمكن أن تنهي الحرب وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، مشيرا إلى أن أي تسوية سياسية ستعقبها حكومة انتقالية تمهد لإجراء انتخابات.

الحسم العسكري يسبق التفاوض

يعكس موقف عقار تمسك الحكومة السودانية بضرورة تغيير الواقع الميداني قبل الدخول في مفاوضات سياسية. فالخرطوم ترى أن التفاوض في ظل استمرار سيطرة الدعم السريع على مدن ومناطق سكنية قد يؤدي إلى منح القوات شبه العسكرية مكاسب سياسية تعادل مكاسبها العسكرية.

ويرى الباحث في الشأن السوداني أليكس دي وال أن الوصول إلى سلام مستدام يتطلب عملية سياسية أوسع من مجرد اتفاق بين الأطراف المسلحة، مؤكدا أهمية وجود آليات فعالة لمراقبة أي اتفاق سلام وضمان تنفيذه.

وفي المقابل، فإن الإصرار على الحسم العسكري يحمل مخاطر كبيرة، لأن الحرب الممتدة منذ أبريل/نيسان 2023 أظهرت صعوبة إنهاء الصراع بالقوة وحدها، في ظل اتساع رقعة البلاد وتعدد الجبهات ووجود قوى محلية وإقليمية مؤثرة.

وتشير تحليلات أمنية إلى أن قوات الدعم السريع لا تزال تتمتع بقدرات عسكرية ومناطق نفوذ واسعة، رغم المكاسب التي حققها الجيش السوداني في عدد من المناطق، وهو ما يجعل أي حديث عن انتصار عسكري سريع أمرا سابقا لأوانه.

شرط الانسحاب يعرقل فرص التسوية

يمثل انسحاب الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية أبرز العقبات أمام استئناف المفاوضات. فالحكومة السودانية تعتبر الانسحاب خطوة أساسية لتهيئة البيئة الأمنية والسياسية لأي اتفاق، بينما يمكن أن تنظر قوات الدعم السريع إلى هذا الشرط باعتباره تنازلا ميدانيا كبيرا من دون ضمانات مقابلة.

وتكمن المشكلة في أن كل طرف يسعى إلى دخول المفاوضات من موقع قوة. الجيش يريد تثبيت تفوقه العسكري وإجبار الدعم السريع على التخلي عن المناطق التي يسيطر عليها، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى الحفاظ على أوراقها الميدانية لضمان دور سياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

وترى الخبيرة السودانية خلود خير أن استمرار اقتصاد الحرب يمثل أحد العوائق الرئيسية أمام السلام، مشيرة إلى أن استمرار تدفقات التمويل والسلاح يمنح أطراف الصراع حوافز لمواصلة القتال بدلا من تقديم تنازلات حقيقية.

المبادرة الأمريكية في دائرة الشكوك

وتكتسب تصريحات عقار أهمية إضافية بسبب موقف الحكومة من المبادرة الأمريكية الهادفة إلى وقف الحرب. فقد أكد أن الخرطوم لديها شكوك بشأن المبادرة، وتخشى أن تؤدي إلى تثبيت واقع ميداني قد يقود في النهاية إلى تقسيم السودان.

ويعكس هذا التخوف هاجسا متزايدا داخل الأوساط السياسية السودانية، يتمثل في احتمال تحول مناطق النفوذ الحالية إلى كيانات سياسية وأمنية منفصلة، خصوصا مع استمرار سيطرة أطراف مختلفة على مناطق واسعة من البلاد.

ويحذر الباحث الأمريكي كاميرون هدسون من أن استمرار الحرب من دون معالجة جذور الأزمة سيؤدي إلى مزيد من الانتهاكات الإنسانية وتعميق الانقسامات داخل الدولة السودانية، مشددا على ضرورة وجود ضغط دولي أكثر فاعلية لدفع الأطراف نحو وقف القتال.

وتواجه واشنطن بذلك معضلة صعبة؛ إذ إن الضغط على الحكومة لقبول تسوية سريعة قد يصطدم برفض الخرطوم لأي اتفاق ترى أنه يكرس واقع الانقسام، بينما يؤدي تأخر التسوية إلى استمرار الحرب واتساع الكارثة الإنسانية.

إثيوبيا تدخل دائرة الاتهامات

لم تقتصر تصريحات مالك عقار على الملف الداخلي، إذ اتهم إثيوبيا بالسماح لقوات الدعم السريع باستخدام أراضيها لتنفيذ عمليات ضد الحكومة السودانية، مؤكدا أن ذلك أدى إلى تراجع العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.

ويمثل هذا الاتهام تطورا مهما، لأن الحرب السودانية لم تعد شأنا داخليا خالصا، بل ارتبطت منذ بدايتها بتنافس إقليمي على النفوذ والحدود والممرات الاستراتيجية.

ويرى محللون أن استمرار الدعم الخارجي لأطراف الحرب يمكن أن يطيل أمد الصراع، ويحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي، خصوصا مع تشابك الأزمة السودانية مع ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

كما أن أي تصعيد بين السودان وإثيوبيا قد يفتح جبهة جديدة ويزيد الضغوط على الجيش السوداني، الذي يخوض في الوقت نفسه مواجهات متعددة مع قوات الدعم السريع.

مخاوف من تقسيم السودان

تأتي تصريحات عقار في وقت تتزايد فيه التحذيرات من احتمال ترسخ الانقسام الجغرافي والسياسي في السودان.

ويشير خبراء إلى أن استمرار سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من دارفور وكردفان، مقابل سيطرة الجيش على العاصمة ومناطق الوسط والشرق والشمال، قد يؤدي إلى نشوء واقع سياسي مزدوج إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

ويحذر أليكس دي وال من أن أي عملية سلام لا تشمل القوى المدنية والمجتمعية السودانية بصورة حقيقية قد تفشل في معالجة أسباب الحرب، حتى لو تمكنت من وقف المعارك مؤقتا.

وهنا تظهر أهمية المرحلة الانتقالية التي تحدث عنها عقار، إذ إن تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات يمكن أن يمثل مخرجا سياسيا، لكن ذلك يتطلب أولا توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وتهيئة ظروف تسمح بإجراء انتخابات حرة.

التأثير الإنساني

يبقى المدنيون أكبر المتضررين من استمرار المواجهات. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت أعداد النازحين واللاجئين، وتراجعت قدرة المؤسسات المحلية والدولية على توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

كما أن استمرار القتال داخل المدن والمناطق السكنية يزيد مخاطر سقوط ضحايا مدنيين وتدمير البنية التحتية، بينما يؤدي انتقال المعارك إلى مناطق جديدة إلى توسيع نطاق الأزمة الإنسانية.

ويرى خبراء أن أي استراتيجية تعتمد على الحسم العسكري يجب أن تأخذ في الاعتبار الكلفة الإنسانية والاقتصادية، لأن تحقيق مكاسب ميدانية من دون خطة سياسية لاحقة قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار حتى بعد توقف المعارك الكبرى.

ردود الفعل المتوقعة

من المتوقع أن تلقى تصريحات مالك عقار ترحيبا من القوى المؤيدة لموقف الجيش، التي تعتبر انسحاب الدعم السريع من المدن شرطا أساسيا لأي سلام.

في المقابل، قد تنظر القوى المدنية والداعية إلى وقف الحرب إلى الحديث عن الحسم العسكري باعتباره مؤشرا على تراجع فرص التوصل إلى وقف قريب لإطلاق النار.

كما ستراقب الولايات المتحدة والقوى الإقليمية موقف الخرطوم من المبادرة الأمريكية، خصوصا أن رفضها بصورة كاملة قد يدفع واشنطن إلى زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية.

أما الدول المجاورة، فمن المرجح أن تتعامل بحذر مع أي تصعيد جديد، خشية انتقال تداعيات الحرب إلى الحدود وارتفاع أعداد اللاجئين وتوسع نشاط الجماعات المسلحة.

سيناريوهات للمرحلة المقبلة

يبدو أن السودان يقف أمام ثلاثة مسارات رئيسية.

الأول، استمرار الحسم العسكري: ويعني مواصلة الجيش عملياته بهدف إجبار الدعم السريع على الانسحاب، وهو مسار قد يؤدي إلى مكاسب ميدانية لكنه يحمل خطر إطالة الحرب.

الثاني، تسوية تدريجية: تبدأ بوقف إطلاق النار وانسحاب قوات الدعم السريع من المدن، ثم تجميع القوات في مناطق محددة، يلي ذلك التفاوض بشأن نزع السلاح والترتيبات الأمنية والمرحلة الانتقالية.

الثالث، ترسخ الانقسام: وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ قد تتحول مناطق السيطرة الحالية إلى مراكز حكم منفصلة، ما يجعل إعادة بناء دولة سودانية موحدة أكثر صعوبة.

ويبدو السيناريو الثاني هو الأكثر قدرة على إنهاء الحرب، لكنه يحتاج إلى تنازلات مؤلمة من الطرفين وضمانات دولية وإقليمية، فضلا عن مشاركة القوى المدنية في تحديد شكل المرحلة الانتقالية.

تكشف تصريحات مالك عقار أن الحكومة السودانية لا تغلق الباب أمام التفاوض، لكنها تريد أن يبدأ الحوار من شروط أمنية واضحة، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية.

وفي المقابل، فإن تمسك الخرطوم بخيار الحسم العسكري قد يضع المبادرة الأمريكية أمام اختبار حقيقي، خصوصا إذا لم تتمكن واشنطن من تقديم ضمانات تحول دون تثبيت الانقسام أو منح أي طرف مكاسب سياسية مجانية.

وبين الحسم العسكري والتسوية السياسية، تبدو مهمة المجتمع الدولي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: وقف تدفق السلاح، الضغط على الأطراف، حماية المدنيين، ومنع تحول خطوط السيطرة العسكرية إلى حدود سياسية دائمة.

أما مستقبل السودان، فيبقى مرتبطا بقدرة أطراف الحرب على الانتقال من منطق الانتصار على الخصم إلى منطق الحفاظ على الدولة، لأن استمرار القتال قد يمنح أحد الأطراف مكاسب مؤقتة، لكنه في المقابل يهدد بإضعاف الدولة السودانية بأكملها.

اترك تعليقا