السيارات الصينية.. التحدي الأكبر لأوروبا

تزايد الضغوط على صناعة السيارات الأوروبية وسط تحول موازين القوى

الرائد// تتزايد الضغوط على صناعة السيارات الأوروبية مع تسارع حضور الشركات الصينية في الأسواق الأوروبية، في وقت تظهر فيه بيانات حديثة أن المنافسة لم تعد تقتصر على السيارات الكهربائية وحدها، بل تمتد إلى السيارات الهجينة وسلاسل البطاريات والتقنيات المرتبطة بالتحول الكهربائي.

وأظهرت بيانات المرصد الأوروبي للوقود البديل، التابع للمفوضية الأوروبية، والمحدثة في 21 أغسطس، أن تسجيلات السيارات والمركبات البديلة في عدد من أكبر الأسواق الأوروبية أصبحت متاحة حتى يوليو 2026، بينما تواصل أوروبا توسعة البنية التحتية لمحطات الشحن. ويأتي ذلك في سوق تتسارع فيه عملية الانتقال إلى السيارات منخفضة الانبعاثات، بما يفتح مجالاً أكبر أمام المصنعين الذين يمتلكون تقنيات البطاريات وسلاسل توريد متقدمة.

وفي تطور يعكس انتقال المنافسة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، أعلنت شركة شافلر الألمانية وشركة كاتل الصينية في 21 أغسطس توقيع مذكرة تفاهم لتطوير أنظمة إدارة البطاريات وحلول إلكترونيات الطاقة للسيارات الكهربائية، مع تركيز أولي على احتياجات شركات السيارات الأوروبية. وستشارك شافلر في تطوير الأنظمة واختبارها وإنتاجها في أوروبا، بينما تقدم كاتل خبراتها في تقنيات البطاريات.

ويعني هذا التعاون أن المنافسة الصينية لا تسير بالضرورة في اتجاه مواجهة الشركات الأوروبية فقط، وإنما يمكن أن تتخذ شكل شراكات داخل سلسلة الإنتاج نفسها. وهذا تطور مهم، لأن امتلاك الشركات الصينية لتقنيات البطاريات والمكونات الإلكترونية يمنحها نفوذاً يتجاوز بيع السيارات النهائية إلى التأثير في البنية الصناعية للسيارات الأوروبية.

وتظهر الضغوط بصورة أوضح في سوق السيارات الصينية المنشأ. فقد أوردت المفوضية الأوروبية في مراجعتها الصحفية في 21 أغسطس أن العلامات الصينية مثل بي واي دي وشيري وجيلي ترفع صادراتها إلى أوروبا، وأن السيارات الصينية بلغت في الربع الثاني 10.7 بالمئة من السيارات الجديدة في 18 سوقاً من أسواق أوروبا الغربية، وفق ما نقلته الصحافة الدنماركية عن بيانات السوق.

ويقول رينيه توندر، مستشار استراتيجي ومحلل لسوق السيارات، إن المصنعين الصينيين يحتاجون إلى الأسواق الخارجية بسبب فائض الطاقة الإنتاجية والمنافسة السعرية الشديدة داخل الصين. وفي تصريحات نقلتها المفوضية الأوروبية عن الصحافة الدنماركية في 21 أغسطس، رأى توندر أن التوسع في أوروبا أصبح ضرورياً بالنسبة إلى الشركات الصينية للحفاظ على استمرار تشغيل مصانعها.

لكن التحدي الأوروبي لم يعد مقتصراً على السيارات الكهربائية. ففي 21 أغسطس نقلت رويترز عن سيباستيان لشنر، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ولاية سكسونيا السفلى الألمانية، دعوته الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية سريعاً على السيارات الهجينة الصينية، معتبراً أن هذه السيارات تواجه حالياً أكبر ضغط من المصنعين الصينيين. واستند لشنر إلى دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن أثر الدعم على القدرة التنافسية للمنتجات الصينية في الأسواق الخارجية.

وتكتسب تصريحات لشنر أهمية خاصة لأن سكسونيا السفلى ترتبط مباشرة بصناعة فولكسفاغن، التي تواجه ضغوطاً قوية في السوقين الأوروبي والصيني. ولذلك فإن انتقال النقاش الأوروبي من الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية إلى السيارات الهجينة قد يفتح مواجهة تجارية أوسع مع بكين.

في المقابل، لا تبدو الرسوم الجمركية حلاً كاملاً للمشكلة. فالتعاون بين شافلر وكاتل يوضح أن الصناعة الأوروبية تحتاج أيضاً إلى التكنولوجيا والاستثمار وسلاسل الإمداد الصينية. وإذا اتجهت أوروبا إلى رفع الحواجز التجارية بصورة واسعة، فقد تحمي بعض المنتجين المحليين على المدى القصير، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه تكاليف البطاريات والمكونات التي تحتاجها شركاتها للتحول إلى السيارات الكهربائية.

كما أن حماية السوق لا تعالج الفجوة التكنولوجية وحدها. فقد أصبحت الشركات الصينية أكثر قدرة على تقديم سيارات كهربائية بأسعار تنافسية، مع تطوير سريع للبطاريات والبرمجيات وأنظمة القيادة. وهذا يجعل المنافسة الأوروبية مرتبطة بقدرتها على خفض تكاليف الإنتاج وتسريع الابتكار، وليس فقط بمنع المنتجات المنافسة من دخول السوق.

ويعكس موقف رينيه توندر جانباً من هذه المشكلة، بينما يعكس موقف سيباستيان لشنر الجانب السياسي المتعلق بحماية الصناعة الأوروبية. الأول يركز على فائض الإنتاج الصيني وحاجته إلى الأسواق الخارجية، والثاني يركز على ضرورة حماية الشركات الأوروبية من المنافسة التي يعتبرها غير متكافئة.

أما المفوضية الأوروبية فتواجه معادلة أكثر تعقيداً: فهي تريد تسريع التحول إلى السيارات النظيفة، لكنها في الوقت نفسه تريد الحفاظ على قاعدة صناعية أوروبية قادرة على إنتاج السيارات والبطاريات والمكونات. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على الواردات إلى إضعاف هذه القاعدة، بينما قد يؤدي التشدد التجاري المفرط إلى رفع أسعار السيارات وتقنيات التحول الأخضر على المستهلك الأوروبي.

لذلك فإن التطور الأهم في هذه المنافسة قد لا يكون عدد السيارات الصينية التي تدخل أوروبا فقط، وإنما مدى نجاح الشركات الأوروبية في الاحتفاظ بموقعها داخل سلاسل التكنولوجيا الجديدة. فالاتفاق بين شافلر وكاتل في 21 أغسطس يوضح أن المعركة الصناعية أصبحت تدور حول البطاريات وإلكترونيات الطاقة والبرمجيات وسلاسل التوريد، وليس حول السيارة النهائية وحدها.

المصادر :

المفوضية الأوروبية، المرصد الأوروبي للوقود البديل، 21 أغسطس 2026.

المفوضية الأوروبية، تمويل الشركات الألمانية في قطاع الصيد والطاقة، 21 أغسطس 2026، ضمن نشرتها اليومية.

الاتحاد الدولي لمعرض التنقل آي إيه إيه، 21 أغسطس 2026، بشأن شراكة شافلر وكاتل.

اترك تعليقا