الإمارات تعيد تعريف دور الثروة الحيوانية في الأمن الغذائي
أبوظبي توسع الاستثمار في الصحة البيطرية والأمن الحيوي وسط تحديات المياه وكلفة الإنتاج
- محمود الشاذلي
- 30 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- الأمن الغذائي, الإمارات, الثروة الحيوانية
أبوظبي: تكشف الخطوات الإماراتية لتطوير الثروة الحيوانية عن توجه متزايد للتعامل مع الإنتاج الحيواني باعتباره أحد مكونات الأمن الغذائي، وليس قطاعاً منفصلاً يقتصر دوره على تلبية احتياجات المربين أو الحفاظ على الموروث المحلي.
ويأتي ذلك في وقت تستعرض فيه هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية برامجها في الدورة الثالثة والعشرين من معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، من خلال جناح «ثروتنا الحيوانية: تراث وأمن غذائي». وتسلط الهيئة الضوء على منظومة تشمل تسجيل الحيوانات وترقيمها، والتطعيم، والأمن الحيوي، والخدمات البيطرية، إلى جانب برامج التوعية والتدريب.ممجج
وتعكس هذه المنظومة محاولة لربط ثلاث قضايا في مسار واحد: صحة الحيوان، وسلامة الغذاء، واستدامة الإنتاج. فالأمراض الحيوانية لا تمثل خسارة اقتصادية للمربين فقط، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى سلامة المنتجات الغذائية والصحة العامة واستقرار سلاسل الإمداد.
وتأتي هذه المقاربة في سياق أوسع تسعى فيه الإمارات إلى تعزيز قدرتها على التعامل مع اضطرابات الأسواق العالمية. فزيادة الإنتاج المحلي لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد، لكنها تمنح السوق المحلية هامشاً أكبر من المرونة عندما تتعرض التجارة الدولية لارتفاعات مفاجئة في الأسعار أو اضطرابات في النقل والإمداد.
لكن توسيع الإنتاج الحيواني في بيئة الخليج يفرض معادلة أكثر تعقيداً. فالمياه والأعلاف والطاقة تمثل مدخلات أساسية ومكلفة، فيما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة احتياجات الحيوانات من التبريد والمياه والرعاية. وبالتالي، فإن رفع الإنتاج من خلال زيادة أعداد الحيوانات فقط قد لا يكون الخيار الأكثر كفاءة اقتصادياً أو بيئياً.
ومن هنا تبرز أهمية تحسين الإنتاجية بدلاً من التركيز على الحجم. فالسلالات الأكثر ملاءمة للظروف المناخية، وتحسين تركيبة الأعلاف، والوقاية من الأمراض، واستخدام التكنولوجيا لمراقبة القطعان، يمكن أن ترفع إنتاجية الحيوان وتخفض استهلاك الموارد لكل وحدة من الغذاء المنتج.
ويمثل الاستثمار في الطب البيطري أحد المفاتيح الرئيسية لهذه المعادلة. فالهيئة لا تركز فقط على تقديم الخدمات للمربين، وإنما تسعى أيضاً إلى جذب جيل جديد إلى التخصصات المرتبطة بصحة الحيوان والأمن الحيوي والبحث العلمي، بما يعزز قدرة القطاع على التعامل مع المخاطر الصحية مستقبلاً.
وفي السياق نفسه، توفر «جائزة الشيخ منصور بن زايد للتميز الزراعي» حافزاً للمربين لتحسين جودة الإنتاج والسلالات وتطوير أساليب العمل. وتكتسب الحوافز أهمية في دفع القطاع نحو ممارسات أكثر كفاءة، خصوصاً عندما ترتبط بتحسين الإنتاجية والاستدامة بدلاً من الاعتماد المستمر على الدعم المباشر.
وتظل معادلة المياه إحدى أصعب القضايا أمام أي توسع زراعي أو حيواني في المنطقة. فالأمن الغذائي لا يمكن قياسه بكمية الغذاء المتاحة فقط، وإنما أيضاً بكمية الموارد اللازمة لإنتاجه. وكلما ارتفعت كمية الغذاء المنتج باستخدام كميات أقل من المياه والطاقة والأعلاف، ازدادت قدرة القطاع على الاستمرار.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك الإماراتي باعتباره انتقالاً من مفهوم «زيادة الإنتاج» إلى مفهوم «الإنتاج الأكثر كفاءة». وهو تحول ستكون نتائجه مرتبطة بمدى نجاح السياسات في تقليل الأمراض، وتحسين الإنتاجية، وخفض استهلاك الموارد، ورفع القدرة التنافسية للمربين.
وبينما توفر المبادرات والمعارض مساحة للتوعية والتدريب والتواصل مع المربين، فإن المعيار النهائي لنجاح هذه السياسة سيظل اقتصادياً وبيئياً: هل يستطيع المنتج المحلي زيادة مساهمته في الأمن الغذائي مع الحفاظ على قدرته على المنافسة، ومن دون استنزاف الموارد المحدودة؟
هذه المعادلة ستحدد إلى حد كبير مدى قدرة الثروة الحيوانية الإماراتية على التحول من عنصر من عناصر الموروث الزراعي إلى ركيزة أكثر فاعلية في منظومة الأمن الغذائي.