إيران وورقةمضيق هرمز ..لماذا تتناقض روايتا واشنطن وطهران حول المضيق ؟

طهران مازالت قادرة علي جعل الملاحة خطيرة ومكلفة

الرائد :من المبكر القول إن  إيران فقدت  ورقة مضيق هرمز بالكامل، لكنها تواجه للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة الحالية تحدياً حقيقياً لقدرتها على تحويل هذه الورقة من أداة ضغط استراتيجية إلى وسيلة للسيطرة الفعلية على حركة الملاحة.

فالمضيق لا يزال نقطة اختناق شديدة الحساسية، لكن التطورات الأخيرة، ولا سيما عمليات إزالة الألغام ومحاولات فتح ممرات آمنة، تقلص تدريجياً هامش المناورة الإيراني بحسب الرواية الأمريكية التي لم يؤكدها خبراء اومؤسسات مستقلة ..

وتقول تقارير حديثة إن القوات الإيرانية منعت نحو 30 سفينة من العبور منذ 22 أغسطس، بدعوى أن مرورها تم بصورة “غير مصرح بها”. كما تؤكد طهران أن السفن التي تريد استخدام المضيق مطالبة بالتنسيق معها. وهذه الخطوة تعني عملياً أن إيران تحاول الانتقال من سياسة التهديد بإغلاق المضيق إلى فرض نظام مرور تتحكم هي في قواعده،

وقد سبق للحرس الثوري أن أعلن أن السفن تحتاج إلى تنسيق مسبق للعبور.

فرض السيطرة علي المضيق

لكن المشكلة بالنسبة لطهران هي أن هذا التصرف يضعها أمام معضلة قانونية وسياسية كبيرة؛ فالمضيق ممر ملاحي دولي، وأي محاولة لفرض رسوم أو اشتراط إذن سياسي على السفن يمكن أن تُستخدم أمريكياً وغربياً باعتبارها دليلاً على أن إيران لا تريد مجرد حماية أمنها، وإنما تسعى إلى فرض سيطرة منفردة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتزداد حساسية المسألة مع الحديث عن رسوم عبور..

. فقد أشارت تقارير إلى مطالب إيرانية برسوم تتراوح بين 5 و7% من قيمة الحمولة، وهي نسبة كبيرة للغاية بالنسبة إلى شركات الشحن، فضلاً عن أن دفع الرسوم قد يخلق مشكلات مرتبطة بالعقوبات الأمريكية والتأمين البحري.

ولذلك فإن القضية لم تعد مجرد خلاف حول حق المرور، وإنما تحولت إلى صراع على من يمتلك سلطة تنظيم حركة السفن داخل المضيق.

نفي إيران  إزالة أمريكا للألغام

هنا تدخل الرواية العسكرية في صلب الصراع السياسي. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 25 أغسطس أن القوات الأمريكية أزالت الألغام من المياه الدولية في المضيق، مؤكداً أن واشنطن تراقب المنطقة وتحذر إيران من إعادة زرعها.

لكن طهران تنفي الرواية الأمريكية، وهو موقف مفهوم من الناحية السياسية؛ فالاعتراف بأن الولايات المتحدة نجحت في إزالة الألغام يعني الاعتراف بأن إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية في المضيق فقدت جزءاً كبيراً من فعاليتها.

كما أن الاعتراف بنجاح أمريكي في فتح الممر قد يعطي واشنطن ورقة تفاوضية أقوى، ويظهر إيران باعتبارها الطرف الذي لم يعد قادراً على التحكم منفرداً بالملاحة.

والأهم أن إزالة الألغام لا تعني بالضرورة أن المضيق أصبح آمناً بالكامل. فحتى تقارير تحليلية غربية تشير إلى أن التخلص من الألغام لا يحل جميع المخاطر الأمنية، وأن استمرار التوتر والتهديدات البحرية يمكن أن يبقي حركة السفن محدودة.

واشنطن و تشكيل تحالف دولي؟

تملك الولايات المتحدة فرصة كبيرة لتشكيل تحالف بحري واسع، خصوصاً إذا قدمت مهمته باعتبارها حماية حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي وليس حرباً مباشرة على إيران. وقد ظهرت بالفعل محاولات أوروبية ودولية لإنشاء ترتيبات متعددة الأطراف لإعادة فتح المضيق، كما أن بريطانيا وفرنسا شاركتا في خطط لإزالة الألغام.

لكن تشكيل تحالف كامل لن يكون سهلاً. فالدول الأوروبية تخشى التورط في مواجهة مفتوحة مع إيران، ودول الخليج تريد استمرار الملاحة لكنها لا ترغب بالضرورة في حرب طويلة على أراضيها.

كما أن الصين والهند ودولاً آسيوية أخرى لها مصالح مباشرة في استمرار تدفق الطاقة، لكنها قد تفضل الحلول الدبلوماسية على الانخراط العسكري.

لذلك قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو تحالف محدود لحماية الملاحة وإزالة الألغام والمراقبة البحرية، وليس تحالفاً حربياً واسعاً هدفه إسقاط قدرة إيران العسكرية.

لماذا تروج واشنطن لرواية مختلفة؟

وفي نفس السياق تدرك واشنطن  أن المعركة حول هرمز ليست عسكرية فقط، وإنما هي أيضاً معركة روايات وشرعية دولية، فإذا نجحت الولايات المتحدة في تقديم إيران باعتبارها الطرف الذي يمنع الملاحة الدولية ويطالب السفن بإذن ورسوم، تستطيع حشد دعم دولي أكبر لأي إجراءات تتخذها.

في المقابل، تحاول إيران تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يحمي أمن المضيق ويرفض أن تستخدم واشنطن القوة لفرض ترتيبات ملاحية جديدة. ولهذا تبدو الروايتان متناقضتين بصورة حادة، خصوصاً بشأن الألغام وحجم السيطرة على المضيق.

لذا فمن المهم القول  إن  إيران لم تفقد ورقة هرمز، لكنها فقدت جزءاً من احتكارها السياسي لهذه الورقة. فكلما نجحت واشنطن وحلفاؤها في إزالة الألغام وتأمين ممرات بديلة وإقناع مزيد من الدول بالمشاركة في حماية الملاحة، تراجعت قدرة طهران على استخدام المضيق كأداة ضغط مطلقة. ومع ذلك،

فإن استمرار انخفاض حركة السفن إلى مستويات شديدة التدني يؤكد أن إيران لا تزال قادرة على جعل الملاحة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، حتى إذا لم تكن قادرة على إغلاق المضيق بصورة كاملة.

لذا فإن  المعركة الحقيقية خلال المرحلة المقبلة لن تكون حول سؤال من “يمتلك” مضيق هرمز، وإنما حول من يفرض قواعد المرور فيه ومن يمتلك القدرة على جعل هذه القواعد قابلة للتطبيق.

 

 

 

اترك تعليقا