إسبانيا تواصل النمو رغم تصاعد ضغوط الاقتصاد الأوروبي

رغم تزايد مصادر عدم اليقين

لا تبدو إسبانيا في صيف 2026 كاقتصاد أوروبي يستعد للانكماش، بل كاقتصاد يواصل التحرك إلى الأمام رغم تزايد مصادر عدم اليقين.

فقد حافظ النشاط الخاص على مستويات مرتفعة خلال أغسطس، بينما أظهرت المؤشرات أن الطلب المحلي وسوق العمل ما زالا يوفران قاعدة صلبة للنمو. لكن الصورة الأكثر دقة تكشف أن مدريد دخلت مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان الاقتصاد سينمو، وإنما ما إذا كان قادراً على تحويل هذا النمو إلى مكاسب إنتاجية ودخول أعلى وتحسن ملموس في مستوى المعيشة.

وأظهر مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات الصادر عن «إس آند بي غلوبال» وصول النشاط إلى 57.8 نقطة في أغسطس، مقابل 58.3 نقطة في يوليو. ورغم التراجع المحدود، فإن بقاء المؤشر أعلى بكثير من مستوى 50 نقطة يعكس استمرار التوسع القوي. كما أظهرت البيانات أن الطلب المحلي كان عاملاً رئيسياً وراء الأداء، في حين استمر خلق الوظائف وإن بوتيرة أبطأ.

وتزداد أهمية هذه الأرقام عند وضعها في السياق الأوروبي. فقد ظل اقتصاد منطقة اليورو في حالة توسع متواضع خلال أغسطس، بينما قادت إسبانيا وإيطاليا النمو بين الاقتصادات الرئيسية، في وقت بقيت فرنسا في حالة انكماش للشهر الثامن على التوالي، وسجل قطاع الخدمات الألماني قراءة دون مستوى الاستقرار.

قوة الطلب الداخلي هي نقطة الانطلاق

يرى خبراء الاقتصاد أن أحد أسرار الصمود الإسباني يكمن في أن النمو لم يعد يعتمد فقط على الصادرات أو قطاع واحد. فالإنفاق الاستهلاكي، وتحسن سوق العمل، والاستثمارات المرتبطة بالأموال الأوروبية، كلها تعمل في الاتجاه نفسه.

وتتوقع المفوضية الأوروبية نمو الناتج المحلي الإسباني بنسبة 2.4% خلال 2026، قبل أن يتباطأ إلى 1.9% في 2027. ووفق تقديراتها، سيظل الطلب المحلي المحرك الرئيسي، مدعوماً بنمو الاستهلاك والاستثمار وتحسن سوق العمل.

أما الحكومة الإسبانية فرفعت في يونيو توقعاتها لنمو 2026 إلى 2.6%، مع اعتبار الاستهلاك الخاص والاستثمار وتحسن العمالة والإنتاجية بالساعة ركائز أساسية للنمو.

ويعكس هذا الاختلاف بين توقعات الحكومة والمؤسسات الدولية قدراً من عدم اليقين أكثر مما يعكس خلافاً جوهرياً حول اتجاه الاقتصاد. فالسيناريو المشترك هو اقتصاد ينمو، لكن بوتيرة ستصبح أقل قوة تدريجياً.

السياحة.. محرك قوي يحمل معه مخاطرة

تبقى السياحة إحدى أهم نقاط القوة. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن إسبانيا قد تستقبل نحو 100 مليون سائح أجنبي في 2026، بعدما سجلت 96.8 مليون زائر في 2025. كما يُتوقع أن يبلغ إنفاق السياح خلال أشهر الصيف نحو 64 مليار يورو.

وفي يوليو اقترب عدد العاملين المسجلين في الأنشطة السياحية من 3.1 مليون شخص، بزيادة 3.7% على أساس سنوي، وهو ما يوضح حجم مساهمة القطاع في سوق العمل.

لكن نجاح السياحة يحمل مفارقة واضحة. فزيادة أعداد الزوار ترفع الإيرادات وتدعم الوظائف، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغط على المدن والمناطق الساحلية، خصوصاً سوق الإسكان. ولهذا فإن استمرار الاعتماد على السياحة بوصفها محركاً رئيسياً للنمو قد يصبح مشكلة إذا لم يصاحبه توسيع للقطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى.

السكن.. الوجه الآخر للنمو

ربما لا توجد مشكلة تكشف التناقض بين أداء الاقتصاد وحياة المواطنين أكثر من أزمة السكن.

تقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فجوة المعروض السكني في إسبانيا بنحو 600 ألف وحدة خلال الفترة 2022-2025، بعدما بلغ عدد تصاريح البناء نحو 345 ألفاً فقط بين 2022 و2024، مقابل تكوين 604 آلاف أسرة جديدة. كما لا يتجاوز مخزون السكن الاجتماعي 3% من إجمالي المساكن.

وهذا يعني أن ارتفاع الناتج المحلي لا يترجم بالضرورة إلى تحسن موازٍ في القدرة على شراء أو استئجار منزل، خصوصاً لدى الشباب والعمال ذوي الدخل المتوسط والمنخفض.

ومن هنا تظهر واحدة من أهم نقاط الضعف السياسية للاقتصاد الإسباني: الحكومة تستطيع الاحتفال بمعدلات النمو، لكنها تواجه مواطنين يرون أن الإيجارات وأسعار المنازل ترتفع بصورة أسرع من قدرتهم على تحملها.

الطاقة المتجددة قد تكون الرهان الأكبر

في المقابل، تمتلك إسبانيا فرصة استراتيجية لا تتوفر بالدرجة نفسها لجميع الاقتصادات الأوروبية، وهي وفرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ارتفعت حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى 58.4% من إنتاج الكهرباء في يونيو، وفق بيانات «ريد إليكتريكا»، فيما سجلت الطاقة الشمسية الكهروضوئية مستويات قياسية.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على الكهرباء في إسبانيا مرشح للنمو بمتوسط يقارب 2% سنوياً بين 2026 و2030، مدفوعاً بالتوسع الصناعي والكهربification والهيدروجين الأخضر والتقنيات الجديدة.

لكن امتلاك الكهرباء الرخيصة لا يكفي. فالتحدي الحقيقي هو تحويلها إلى صناعة. وتشمل الفرص مراكز البيانات، والهيدروجين الأخضر، والبطاريات، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن مدريد أصبحت سوقاً متنامية لمراكز البيانات، مدفوعة بالطلب على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يفتح باباً لنمو استثماري يتجاوز القطاعات التقليدية.

ماذا يقول الخبراء؟

يذهب الاقتصادي ريموند توريس، مدير قسم التوقعات الاقتصادية في «فونكاس»، إلى أن الصراع في الشرق الأوسط يمثل صدمة جديدة للاقتصاد الإسباني، خصوصاً عبر أسعار الطاقة. وبمشاركة ماريا خيسوس فرنانديز وفرناندو غوميز دياز، قدّر «فونكاس» في سيناريو أساسي نمو الاقتصاد الإسباني بنحو 2.2% في 2026، لكنه حذر من أن استمرار اضطراب مضيق هرمز لفترة طويلة يمكن أن يخفض النمو إلى 1.8% ويرفع التضخم إلى نحو 4%.

أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فتضع النمو عند 2.2% في 2026، مع توقع تباطؤه إلى 1.7% في 2027. وترى المنظمة أن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي، خصوصاً بسبب الطاقة والطلب الخارجي، لكنها تعتبر الاستثمار الأوروبي والطاقة المتجددة وسوق العمل عوامل دعم مهمة.

وهناك نقطة تتكرر في تقييمات الخبراء والمؤسسات: إسبانيا تحتاج إلى الانتقال من مرحلة النمو المدفوعة بتراكم العمالة والاستثمار الأوروبي إلى مرحلة يكون فيها ارتفاع الإنتاجية هو المحرك الأساسي.

تحديات مدريد في المرحلة المقبلة

أمام الحكومة عدة اختبارات متزامنة. أولها التضخم، إذ تتوقع المفوضية الأوروبية وصوله إلى 3% في 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.

وثانيها المالية العامة، إذ ينبغي على مدريد تقليص العجز تدريجياً مع الاستعداد لتكاليف الشيخوخة السكانية. وثالثها سوق الإسكان، الذي أصبح ملفاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في آن واحد.

أما التحدي الرابع فهو الأموال الأوروبية. فالمطلوب ليس مجرد إنفاق أموال التعافي، بل تحويلها إلى استثمارات ترفع الإنتاجية وتخلق صناعات قابلة للاستمرار بعد انتهاء التدفقات الأوروبية.

وتضاف إلى ذلك مشكلة ديموغرافية طويلة الأجل، تتمثل في شيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد، ما يجعل زيادة الإنتاجية والهجرة المنظمة والاستثمار في التكنولوجيا عوامل ضرورية للحفاظ على النمو.

التوقعات: تباطؤ بلا انهيار

السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأشهر المقبلة هو استمرار توسع الاقتصاد الإسباني، لكن بوتيرة أكثر اعتدالاً من تلك التي شهدتها الفترات السابقة. ومن المرجح أن يظل الاستهلاك والسياحة والخدمات وسوق العمل عوامل دعم، بينما قد تصبح الطاقة والتضخم والطلب الخارجي أكبر مصادر المخاطر.

وتشير المقارنة بين توقعات الحكومة والمفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى نطاق نمو يدور تقريباً بين 2.2% و2.6% في 2026، مع ميل واضح إلى التباطؤ في 2027.

وبالتالي، فإن قوة إسبانيا الحالية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية لمشكلاتها، بل باعتبارها نافذة زمنية ثمينة. فإذا نجحت مدريد في توجيه الاستثمارات نحو الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية، ومعالجة أزمة السكن ورفع الإنتاجية، فقد يتحول التفوق الحالي إلى ميزة أوروبية طويلة الأجل.

أما إذا بقي النمو مرتبطاً أساساً بالسياحة والاستهلاك والخدمات، فقد تظل إسبانيا صاحبة أداء أفضل من جيرانها لفترة، لكن من دون أن تتمكن من حل التناقض الأكبر: اقتصاد ينمو بسرعة، بينما يشعر جزء متزايد من المجتمع بأن تكلفة هذا النمو ترتفع أسرع من فوائده.

المصادر

إس آند بي غلوبال — بيانات مؤشر مديري المشتريات الإسباني.

المفوضية الأوروبية — توقعات النمو والاقتصاد الإسباني.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) — الاقتصاد وسوق الإسكان في إسبانيا.

رويترز — بيانات السياحة وأداء الاقتصاد الأوروبي.

مؤسسة فوكاس (Funcas) — آراء الخبراء والتوقعات الاقتصادية.

ريد إليكتريكا الإسبانية — بيانات الطاقة والكهرباء والطاقة المتجددة.

اترك تعليقا