اليابان توسع الإنفاق وتواجه اختبار الديون والأسواق

طوكيو تواجه ساعة الحقيقة الاقتصادية

الرائد// دخلت الحكومة اليابانية مرحلة جديدة من اختبار سياستها الاقتصادية بعدما كشفت وزارة المالية، اليوم الجمعة، أن طلبات الوزارات والهيئات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 بلغت نحو 143.1 تريليون ين، أي ما يعادل قرابة 918 مليار دولار، في مستوى يقترب من أحجام الإنفاق التي شهدتها اليابان خلال فترة جائحة كورونا. ويأتي الرقم في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض الحكومي إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود، ما يضع سياسة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي التوسعية أمام اختبار مالي وسوقي متزايد.

وتقوم فلسفة تاكايتشي الاقتصادية على توجيه إنفاق أكبر إلى قطاعات تعتبرها الحكومة استراتيجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن الاقتصادي والاستثمارات المرتبطة بالقدرة الصناعية والتكنولوجية. كما غيّرت الحكومة طريقة إعداد الموازنة عبر دمج جزء من الإنفاق الذي كان يُدرج عادة في الموازنات التكميلية ضمن الموازنة الأساسية، وهو ما ساهم في تضخيم إجمالي الطلبات المقدمة من الوزارات.

لكن ضخامة الرقم لا تعني أن اليابان أقرت فعلياً موازنة بهذا الحجم؛ فالطلبات تمثل نقطة البداية في مفاوضات الموازنة، قبل أن تخضع للمراجعة والخفض والتعديل خلال الأشهر المقبلة. ومن المنتظر أن تتبلور الصيغة الحكومية النهائية في نهاية العام قبل إحالتها إلى البرلمان.

المشكلة الأساسية أن تكلفة خدمة الدين ترتفع بالتزامن مع اتساع الإنفاق. فقد طلبت وزارة المالية تخصيص نحو 36.64 تريليون ين لخدمة الدين في السنة المالية المقبلة، في رقم قياسي، بعدما رفعت الحكومة افتراضها لسعر الفائدة إلى 3.8 بالمئة. كما تسعى الحكومة، في المقابل، إلى إبقاء إصدار السندات الحكومية الجديدة عند نحو 40 تريليون ين.

ويرى تاكاهيدي كييوتشي، كبير الاقتصاديين التنفيذيين في معهد نومورا للأبحاث وعضو سابق في مجلس إدارة بنك اليابان، أن حجم طلبات موازنة 2027، الذي تجاوز 140 تريليون ين، استثنائي بالنسبة إلى فترة لا تشهد أزمة اقتصادية شاملة. وكتب كييوتشي في تحليل نشره المعهد في الأول من سبتمبر أن تغيير طريقة إدراج الإنفاق الحكومي، إلى جانب سياسة الاستثمار الجديدة، ساعدا في دفع الطلبات إلى مستويات تقترب من حقبة الجائحة.

وتكتسب ملاحظات كييوتشي أهمية لأن الأسواق اليابانية بدأت بالفعل إرسال إشارات تحذير. فقد تجاوز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات مستوى 3 بالمئة في الأول من سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996. ويعكس ذلك ليس فقط التحولات العالمية في أسعار الفائدة، وإنما أيضاً القلق المتزايد بشأن اتجاه المالية العامة اليابانية.

وفي الوقت نفسه، يتعرض بنك اليابان لضغوط مختلفة. فالين ارتفع بقوة خلال الأسبوع الجاري، بينما زادت توقعات المستثمرين بإقدام البنك المركزي على رفع الفائدة في اجتماعه المقرر يومي 17 و18 سبتمبر. ووفق تقرير رويترز في الرابع من سبتمبر، ارتفع الين بنحو 2.5 بالمئة خلال الأسبوع، في أقوى أداء أسبوعي له منذ أكثر من شهر، مع زيادة الرهانات على تشديد السياسة النقدية.

ويكشف هذا التطور عن تناقض جوهري في السياسة الاقتصادية اليابانية: الحكومة تريد إنفاقاً واسعاً لدعم الاستثمار والنمو والقدرة الصناعية، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة هذا الإنفاق وإعادة تقييم قدرة الدولة على تحمل مزيد من الدين.

ويزداد الضغط لأن الاقتصاد الياباني لا يزال يعاني من ضعف الاستهلاك. فقد أظهرت بيانات صدرت في الثالث من سبتمبر أن إنفاق الأسر انخفض 3.6 بالمئة على أساس سنوي في يوليو، وهو أكبر انخفاض منذ يناير 2024، وللشهر الثامن على التوالي. ورغم ارتفاع الأجور الاسمية، فإن ارتفاع تكاليف المعيشة ما زال يضغط على القوة الشرائية للأسر.

وتحاول حكومة تاكايتشي معالجة هذا الضعف من خلال الاستثمار بدلاً من الاعتماد على التحفيز الاستهلاكي وحده. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيتوقف على قدرة الإنفاق العام على رفع الإنتاجية، وليس مجرد زيادة الطلب على المدى القصير.

وتكمن المخاطرة في أن اليابان تدخل هذه المرحلة وهي صاحبة أحد أعلى مستويات الدين الحكومي في العالم المتقدم. ولذلك فإن ارتفاع العوائد لا يمثل مجرد مشكلة محاسبية؛ بل يمكن أن يتحول إلى عبء متزايد على الموازنة مع إعادة تسعير الديون القائمة.

وفي هذا السياق، يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لنموذج تاكايتشي: هل تستطيع اليابان استخدام الإنفاق الحكومي لتسريع الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والدفاع، بما يؤدي إلى نمو اقتصادي يبرر ارتفاع الدين، أم أن ارتفاع الفائدة سيبتلع جزءاً متزايداً من الموارد التي يفترض أن تذهب إلى الاستثمار؟

الخلفية التاريخية مهمة هنا. فقد اعتمدت اليابان لعقود على أسعار فائدة شديدة الانخفاض، ما جعل تكلفة خدمة الدين أقل حساسية لارتفاع حجم الاقتراض. لكن عودة التضخم وتغير السياسة النقدية أنهيا جزءاً كبيراً من تلك البيئة. ومع بلوغ عائد السندات لأجل عشر سنوات نحو 3 بالمئة، أصبح المستثمرون أكثر حساسية تجاه العلاقة بين الإنفاق الحكومي والنمو والقدرة على ضبط الدين.

أما التوقع الأقرب، فيشير إلى أن حكومة تاكايتشي لن تتراجع سريعاً عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن الاقتصادي، لكنها ستواجه ضغوطاً أكبر لربط الإنفاق بإصلاحات هيكلية. وإذا استمر ضعف الاستهلاك وارتفعت عوائد السندات في الوقت نفسه، فقد تضطر الحكومة إلى إعطاء أولوية أكبر للإنفاق المنتج وتقليص البرامج الأقل مردوداً.

وهكذا لا تتمثل القضية اليابانية في حجم موازنة 2027 وحده، وإنما في تحول أوسع من عصر المال الرخيص إلى عصر تصبح فيه كل زيادة في الإنفاق الحكومي أكثر تكلفة. نجاح تاكايتشي سيعتمد في النهاية على قدرتها على تحويل الإنفاق الاستراتيجي إلى إنتاجية ونمو حقيقيين قبل أن تتحول خدمة الدين إلى منافس رئيسي للاستثمار نفسه.

المصادر: رويترز، 4 سبتمبر 2026؛ رويترز، 3 سبتمبر 2026؛ معهد نومورا للأبحاث، 1 سبتمبر 2026؛ رويترز، 1 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا