إريتريا وإثيوبيا على حافة المواجهة.. هل تنجح الوساطة الأمريكية في منع حرب جديدة ؟

صفقة التسوية واردة ولكن احتمالات الخطأ قائمة

الرائد ..تدخل العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا مرحلة جديدة من التوتر، في ظل تبادل الاتهامات بشأن السيادة والأمن الإقليمي، وتصاعد الخلاف حول حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، وهو الملف الذي بات أحد أبرز مصادر القلق في منطقة القرن الأفريقي.

ومع انتقال الخلافات إلى المسار الدبلوماسي، تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى مواجهة عسكرية جديدة، أم أن الضغوط الدولية والمصالح الاقتصادية ستدفع الطرفين إلى البحث عن تسوية سياسية تحفظ سيادة إريتريا وتمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا لا يقوم على استخدام القوة.

ولا يمكن اعتبار اندلاع الحرب أمرًا محسومًا، كما أن الاحتواء الدبلوماسي لا يزال مرتبطًا بطبيعة التحركات الميدانية، ومواقف القيادتين، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على توفير ضمانات مقبولة للطرفين.

مخاطر المواجهة

يمثل التاريخ المعقد للعلاقات بين أسمرة وأديس أبابا عاملًا رئيسيًا في فهم الأزمة الراهنة. فقد خاض البلدان حربًا حدودية دامية بين عامي 1998 و2000، قبل أن يشهد عام 2018 تقاربًا سياسيًا فتح الباب أمام مرحلة من المصالحة. لكن هذا التقارب لم ينهِ جميع أسباب التنافس، كما أعادت حرب تيجراي في إثيوبيا، التي اندلعت عام 2020، تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة.

وتكتسب أي شكوى إثيوبية أمام مجلس الأمن، إذا تأكدت تفاصيلها رسميًا، أهمية تتجاوز تبادل الاتهامات؛ إذ تعكس محاولة لنقل الخلاف إلى إطار دولي، واستقطاب دعم سياسي ودبلوماسي للموقف الإثيوبي. وفي المقابل، فإن تحذيرات إريتريا من المساس بأراضيها وسيادتها تعكس تمسك أسمرة برفض أي ترتيبات قد تُفسر باعتبارها تنازلًا عن حقوقها الإقليمية تحت ضغط المطالب الإثيوبية.

وتظل المسألة الأساسية هي ما إذا كانت التحركات الدبلوماسية ستترافق مع خطوات ميدانية تزيد احتمالات الاحتكاك، أم ستستخدم كأداة ضغط تمهيدًا للتفاوض.

احتمالات الحرب

حتى مع ارتفاع حدة الخطاب السياسي، لا يكفي تبادل الاتهامات وحده للقول إن الحرب أصبحت حتمية. فاندلاع مواجهة واسعة يرتبط بعوامل أكثر تحديدًا، من بينها تحركات القوات على الحدود، ووقوع اشتباكات مباشرة، وطبيعة القرارات العسكرية، ومدى استعداد القيادتين لتحمل تكلفة صراع طويل.

وتواجه أي حرب محتملة تداعيات تتجاوز البلدين؛ إذ يمكن أن تؤثر في أمن البحر الأحمر والممرات التجارية، وتزيد الضغوط الإنسانية والاقتصادية، وتفتح المجال أمام تدخلات إقليمية متشابكة. كما أن استمرار التوتر قد ينعكس على دول الجوار، في منطقة تعاني بالفعل من أزمات سياسية وأمنية متعددة.

ومن ثم، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون التصريحات وحدها، بل مدى اقترانها بتحركات عسكرية فعلية، واستمرار قنوات الاتصال، وظهور مبادرات تفاوضية واضحة.

صفقة تمنع الصدام

تتمثل إحدى فرص التسوية في الفصل بين مطلب إثيوبيا الاقتصادي والاستراتيجي بالوصول إلى البحر، وبين مسألة السيادة الإريترية على أراضيها وموانئها. فالحصول على منفذ بحري لا يستلزم بالضرورة امتلاك أراضٍ ساحلية أو فرض ترتيبات بالقوة، بل يمكن بحثه عبر اتفاقات تجارية ولوجستية طويلة الأجل.

وقد تشمل أي تسوية محتملة اتفاقًا لتشغيل خدمات النقل البري والحديدي ، وتسهيل استخدام الموانئ الإريترية وفق عقود تجارية واضحة، وتحديد رسوم العبور والخدمات، مع وضع آليات مستقلة لتسوية النزاعات وضمان استمرار حركة التجارة. ويمكن كذلك بحث ترتيبات تتيح لإثيوبيا استخدام الموانئ بموجب اتفاقات محددة المدة، من دون نقل السيادة أو إنشاء وضع قانوني ينتقص من سلطة الدولة الإريترية.

لكن نجاح مثل هذه الصيغة يتطلب ضمانات متبادلة؛ فإثيوبيا تحتاج إلى ترتيبات موثوقة ومستقرة، بينما تحتاج إريتريا إلى ضمانات صريحة بأن التعاون الاقتصادي لن يتحول إلى مدخل للضغط السياسي أو العسكريفضلا عن  أن أي اتفاق قابل للاستمرار ينبغي أن يحظى بقبول الطرفين، وأن يكون محددًا من الناحية القانونية والعملية.

واشنطن واختبار احتواء التصعيد

تأتي هذه الأزمة في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من اتساع رقعة الصراع في القرن الأفريقي. وقد أظهرت التطورات المعلنة في أكتوبر 2026 انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة؛ إذ اتهمت إثيوبيا القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها.

بينما رفضت أسمرة هذه الاتهامات، وطلبت تدخل مجلس الأمن، معتبرة أن الاتهامات الإثيوبية قد تمهد لعمل عسكري ضدها. وتحدثت تقارير عن اشتباكات وتطورات ميدانية في شمال إثيوبيا، ما يجعل الأزمة أبعد من مجرد خلاف دبلوماسي.

وفي هذه الظروف، يمكن أن تلعب الولايات المتحدة دورًا في دعم جهود التهدئة، عبر الاتصالات المباشرة مع الحكومتين، وتشجيع الوساطة الأفريقية، والعمل على منع تحول الاشتباكات الحدودية إلى حرب مفتوحة. غير أن نجاح واشنطن لن يتوقف على قدرتها على جمع الطرفين إلى طاولة المفاوضات فقط، بل على استعداد كل منهما لقبول تسوية تتضمن تنازلات عملية وضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.

كما أن مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي يمكن أن يساهما في احتواء الأزمة، من خلال الدعوة إلى وقف التصعيد، والتحقق من الادعاءات المتبادلة، وتشجيع إنشاء آلية لمراقبة الحدود. لكن أي تحرك دولي سيواجه صعوبة إذا اعتبر أحد الطرفين أن الضغوط الخارجية تستهدف تقييد مصالحه الاستراتيجية أو فرض تسوية تمس سيادته.

منفذ بحري لإثيوبيا وسيادة إريتريا

وفي هذه الأجواء يبقى ملف الوصول إلى البحر الأحمر جوهر أي تسوية استراتيجية طويلة الأمد. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري المستقل عقب استقلال إريتريا عام 1993، تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ دول الجوار، وهو ما يجعل تنويع منافذ تجارتها هدفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. لكن هذا الهدف لا يمنحها حقًا تلقائيًا في السيادة على ميناء أو أراضٍ تابعة لدولة أخرى.

ومن هنا، يمكن أن يقوم الحل على نموذج للشراكة الاقتصادية بدلًا من الصراع على الأرض، عبر اتفاق طويل الأجل لاستخدام ميناء عصب الإريتري، يتضمن استثمارات إثيوبية في مرافق التخزين والنقل والخدمات اللوجستية، مقابل رسوم تجارية متفق عليها، مع احتفاظ إريتريا بالسيادة الكاملة والإدارة السيادية للميناء.

ويمكن أن يتضمن الاتفاق ضمانات دولية أو إقليمية، وآلية تحكيم لتسوية النزاعات، وتعهدات متبادلة بعدم استخدام المرافق التجارية لأغراض عسكرية تهدد أمن أي من البلدين. كما يمكن البدء بمرحلة تجريبية محدودة، تتيح اختبار جدوى الترتيبات التجارية وبناء الثقة قبل توسيعها.

ولا يعني ذلك أن مثل هذه الصفقة مطروحة بالفعل أو أن الطرفين وافقا عليها، وإنما تمثل أحد المسارات الممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية. وتظل هناك بدائل أخرى، من بينها توسيع استخدام الموانئ القائمة في جيبوتي وتعزيز الربط البري والسككي معها، بما يخفف اعتماد إثيوبيا على مسار واحد من دون فتح جبهة جديدة مع إريتريا.

احتمالات التسوية

وفي هذا السياق تقف أسمرة وأديس أبابا أمام معادلة صعبة، تجمع بين اتهامات أمنية متبادلة ومخاوف من اتساع المواجهة، وبين مصالح اقتصادية تجعل استمرار القطيعة والصراع مكلفًا للطرفين. ومع التطورات الميدانية التي ظهرت في أكتوبر، لم يعد التعامل مع الأزمة باعتبارها خلافًا سياسيًا فقط كافيًا.

ويبقى المسار الأكثر قابلية للاستمرار هو الفصل بين أمن الحدود وملف الوصول البحري، ووقف التصعيد العسكري، ثم إطلاق مفاوضات تضمن سيادة إريتريا وتوفر لإثيوبيا ترتيبات تجارية مستقرة. أما غياب قنوات الاتصال والضمانات المتبادلة، فقد يجعل أي حادث ميداني نقطة انطلاق لمواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

وفي نهاية المطاف، لن يتحدد مستقبل العلاقة بين البلدين بما يعلنه كل طرف عن حقوقه ومخاوفه فحسب، بل بقدرتهما على تحويل هذه المخاوف إلى اتفاقات واضحة، تمنع استخدام القوة لتسوية الصراعات بين البلدين ووتفتح المجال أمام تعاون اقتصادي لا ينتقص من سيادة أي دولة.

اترك تعليقا