أوروبا تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي واقتصادي
عندما تتحول الأزمات المتراكمة إلى قرارات حكومية
- dr-naga
- 5 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أوروبا, اقتصاد اوروبا, الأزمات, الحرب, الحرب الروسية الأوكرانية, الولايات المتحدة, جائحة كورونا, قرارات حكومية
الرائد// تدخل أوروبا في خريف 2026 مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، ليس بسبب أزمة واحدة منفردة، وإنما نتيجة تراكم تحولات سياسية واقتصادية وأمنية بدأت منذ أزمة الهجرة عام 2015، ثم تسارعت مع جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وتغير العلاقة مع الولايات المتحدة. الجديد الآن أن هذه التحولات بدأت تنتقل من مستوى الاحتجاج الشعبي وصعود الأحزاب اليمينية إلى التأثير المباشر في الحكومات والسياسات الأوروبية.
ويأتي ذلك في وقت تظهر فيه مؤشرات اقتصادية متناقضة. فقد سجل قطاع التصنيع في منطقة اليورو في أغسطس الماضي أسرع نمو له منذ أكثر من أربع سنوات، مع ارتفاع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 52.7 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2022. لكن الصورة الكلية لا تزال ضعيفة؛ إذ خفض مسح البنك المركزي الأوروبي لتوقعات الاقتصاديين نمو الناتج المحلي لمنطقة اليورو في 2026 إلى 0.6 في المئة، مقابل 1.2 في المئة متوقعة في 2027 و1.3 في المئة في 2028.
وهذا التناقض مهم؛ فأوروبا لا تعيش ركوداً شاملاً بالمعنى التقليدي، لكنها تواجه نمواً بطيئاً لا يكفي بسهولة لمعالجة ارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة والتحول الصناعي والضغوط الاجتماعية في الوقت نفسه.
في الجانب السياسي، تبدو ألمانيا واحدة من أهم ساحات الاختبار. وتشير استطلاعات حديثة إلى احتمال حصول حزب البديل من أجل ألمانيا على نحو 40 إلى 42 في المئة في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، الأمر الذي قد يفتح للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية الطريق أمام حزب يميني متطرف لقيادة حكومة ولاية ألمانية، حتى وإن كانت النتيجة النهائية لا تزال مرتبطة بقواعد تشكيل الحكومات والائتلافات.
ويرى المركز الأوروبي للإصلاح أن التحول الحالي أعمق من تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويقول الباحث نيكولاي فون أوندرتسا إن أوروبا عام 2026 أصبحت مختلفة جذرياً عن أوروبا عام 2016، بسبب تراكم كوفيد، والحرب في أوكرانيا، وصعود اليمين، وتراجع الثقة بالعلاقة مع الولايات المتحدة.
وتظهر الظاهرة نفسها خارج ألمانيا. ففي إيطاليا، برز روبرتو فانّاتشي، زعيم حزب المستقبل الوطني، باعتباره منافساً جديداً لليمين التقليدي، بينما حذر رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو مونتي خلال منتدى اقتصادي عقد اليوم من خطاب قومي يذكر بأجواء مرحلة موسوليني. وتلفت هذه المواجهة إلى أن المسألة لم تعد مجرد صراع بين اليمين واليسار، وإنما بدأت تتعلق أيضاً بالسؤال عن شكل الاتحاد الأوروبي نفسه: هل يتجه إلى مزيد من التكامل أم يعود إلى نموذج أكثر اعتماداً على الدولة الوطنية؟
الهجرة أصبحت بدورها إحدى أهم ساحات التحول. فقد اتفقت ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا على السعي إلى إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين الذين ترفض طلبات لجوئهم، مع استهداف بدء العمل بهذه الترتيبات اعتباراً من 2027. وتقول الحكومات إن الهدف هو جعل قرارات الترحيل أكثر فاعلية، بينما تحذر منظمات حقوقية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من مخاطر تتعلق بالضمانات القانونية وحماية حقوق طالبي اللجوء.
وهذه الخطوة تحمل دلالة سياسية أكبر من تفاصيلها الإجرائية، لأنها تعني أن بعض الأفكار التي كانت قبل عقد مرتبطة أساساً بالأحزاب اليمينية أصبحت تدخل تدريجياً في صلب السياسات الحكومية الأوروبية.
وتظهر هذه النقلة أيضاً في بريطانيا وفرنسا، حيث أعلنت حركة الإصلاح البريطانية والتجمع الوطني الفرنسي اتفاقاً سياسياً للتعاون ضد عبور القوارب الصغيرة في القنال الإنجليزي. وفي السويد، يقترب موعد الانتخابات البرلمانية في 13 سبتمبر وسط منافسة متقاربة بين اليمين الحاكم ووسط اليسار.
اقتصادياً، تواجه أوروبا مشكلة أعمق من ضعف النمو قصير الأجل. فالبنك المركزي الأوروبي يرى أن الصادرات الأوروبية ما زالت تعاني تحديات تنافسية وأن الشركات في منطقة اليورو تفقد حصصاً من الأسواق العالمية. وفي أحدث مسح للخبراء، بلغت توقعات التضخم 2.7 في المئة لعام 2026، قبل أن تنخفض إلى 2.2 في المئة عام 2027 وتقترب من هدف البنك البالغ 2 في المئة عام 2028.
المقارنة التاريخية
إذا قورنت أوروبا الحالية بأزمة 2008، فإن الاختلاف واضح. في 2008 كان مركز الأزمة مالياً ومصرفياً، وكانت الحكومات تحاول إنقاذ النظام المالي ومنع انهيار البنوك. أما اليوم فإن الضغوط أكثر انتشاراً: الطاقة، الدفاع، الهجرة، الصناعة، الدين العام، التنافس مع الولايات المتحدة والصين، والتغير في النظام الأمني الأوروبي.
أما المقارنة الأكثر أهمية فهي مع عام 2015، حين أصبحت الهجرة واللجوء عاملاً سياسياً رئيسياً بعد تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا. في ذلك الوقت كان اليمين الصاعد في ألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا يستفيد من الأزمة. أما في 2026 فقد أصبحت بعض المطالب التي كانت آنذاك خارج التيار السياسي الرئيسي جزءاً من النقاش الحكومي نفسه، بما في ذلك إعادة المهاجرين إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن أوروبا انتقلت من مرحلة “صعود اليمين” إلى مرحلة “تأثير اليمين في صياغة السياسة”.
وهناك مقارنة ثالثة مع الفترة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. ففي تسعينيات القرن الماضي كان الاتجاه الأوروبي العام هو توسيع الاتحاد الأوروبي، وتعميق السوق الموحدة، وتقليص الحواجز بين الدول. أما أوروبا الحالية فتسير في الاتجاه المعاكس جزئياً: مزيد من الاهتمام بالحدود، والأمن، والدفاع، والسيادة الصناعية، والقدرة على إنتاج السلاح والطاقة داخلياً.
ويعكس خطاب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا اليوم هذه البيئة الجديدة؛ إذ وصف أوروبا بأنها تعمل في عالم أكثر تنافسية واضطراباً، مؤكداً ضرورة الحفاظ على موقعها العالمي في ظل تغير البيئة الدولية.
التعليقات والتحليل
الأهم في هذه المرحلة أن اليمين الأوروبي لا يتحرك وفق نموذج واحد. فكاترين دو فريس، أستاذة العلوم السياسية في مدرسة IE للسياسة والحكومة والشؤون العالمية، أشارت في تحليل نشرته رويترز إلى أن الأحزاب الشعبوية اليمينية تحقق تقدماً في ألمانيا وفرنسا، لكنها لا تمتلك بالضرورة برنامجاً اقتصادياً موحداً. وهذا التفصيل مهم، لأن نجاحها السياسي لا يعني بالضرورة قدرتها على تقديم نموذج اقتصادي بديل متكامل.
وفي المقابل، تظهر إيطاليا تجربة مختلفة مع حكومة جورجيا ميلوني؛ إذ تشير فايننشال تايمز إلى أن ميلوني حافظت على قدر من الاستقرار السياسي، مع استمرارها داخل الإطار الأوروبي ودعمها لأوكرانيا، مع تشديدها في الوقت نفسه على الهجرة. لكن ظهور قوى أكثر يمينية منها قد يضع حدوداً لقدرتها على احتكار تمثيل اليمين.
التوقعات
المسار المرجح خلال الأشهر المقبلة هو استمرار انتقال أوروبا نحو سياسات أكثر تشدداً في الهجرة والدفاع، مع اختلاف كبير بين الدول في سرعة هذا التحول.
ومن المرجح أيضاً أن تصبح نتائج الانتخابات الألمانية والإيطالية والسويدية وغيرها مؤشراً على ما إذا كان صعود اليمين سيظل أداة ضغط على الأحزاب التقليدية أم سيتحول إلى قوة قادرة على قيادة الحكومات فعلياً.
اقتصادياً، لا تبدو المؤشرات الحالية كافية للحديث عن انتعاش قوي. فحتى مع تحسن التصنيع، يتوقع الخبراء نمواً ضعيفاً في 2026، بينما يظل التضخم والطاقة والدين العام عوامل تضغط على الحكومات والبنك المركزي الأوروبي.
والأكثر أهمية أن أوروبا قد تدخل مرحلة يصبح فيها الإنفاق الدفاعي منافساً مباشراً للإنفاق الاجتماعي والاستثماري. وقد بدأت ألمانيا بالفعل زيادة الإنفاق على الدفاع والاستثمار في مشروع موازنة 2027، بينما تتجه دول أوروبية أخرى إلى توسيع الإنفاق العسكري. 
الخلاصة
أوروبا في 2026 ليست أمام أزمة شبيهة تماماً بأزمة 2008، ولا أمام تكرار حرفي لأزمة الهجرة في 2015. إنها أمام مرحلة تركيبية جديدة تجمع بين عناصر الأزمات السابقة: بطء النمو، ضغط الطاقة، الهجرة، صعود اليمين، إعادة بناء القدرات الدفاعية، وتراجع اليقين بشأن الدور الأميركي.
ولهذا فإن التحول الجاري قد يكون طويل الأمد. فالمسألة لم تعد فقط من يفوز في الانتخابات، وإنما أي نموذج أوروبي سيخرج من هذه المرحلة: اتحاد أكثر تكاملاً وقدرة على الدفاع عن نفسه، أم أوروبا أكثر اعتماداً على الحكومات الوطنية والحدود والسياسات المحافظة.
وفي هذا المعنى، فإن انتخابات 2026 ليست مجرد سلسلة من الاستحقاقات الوطنية، بل اختبار مبكر لاتجاه أوروبا خلال العقد المقبل.