مسلمو أمريكا الجنوبية.. من الجاليات إلى السياحة الحلال
تحركات في البرازيل والأرجنتين وباراغواي تكشف توسع الحضور الإسلامي
- محمود الشاذلي
- 26 سبتمبر، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير وترجمات
- البرازيل والأرجنتين وباراغواي, توسع الحضور الإسلامي
لم يعد الوجود الإسلامي في أمريكا الجنوبية يُختزل في مساجد أنشأتها موجات الهجرة العربية أو تجمعات تحافظ على هويتها الدينية بعيدًا عن المجال العام؛ فخلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا في البرازيل والأرجنتين وباراغواي، بدأت مؤسسات إسلامية تتحرك بصورة أكثر وضوحًا داخل قطاعات السياحة والثقافة والتعليم والإعلام والحوار المجتمعي.
وتكشف التطورات الجارية في منطقة الحدود الثلاثية بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي عن جانب من هذا التحول؛ إذ ينتقل الحضور الإسلامي تدريجيًا من إطار الجالية إلى مساحة أوسع ترتبط بالسياحة والخدمات والمواطنة والتواصل مع المجتمع المحلي.
فوز دو إيغواسو.. الإسلام يدخل الخريطة السياحية
في مدينة فوز دو إيغواسو البرازيلية، يمثل مسجد عمر بن الخطاب أحد أبرز معالم الحضور الإسلامي في منطقة الحدود الثلاثية، إلا أن دوره لم يعد مقصورًا على النشاط الديني.
ويشارك المسجد في معرض السياحة الدولي بأمريكا اللاتينية في بوينس آيرس، الذي تنطلق فعالياته في 26 سبتمبر، ضمن جناح ولاية بارانا البرازيلية، في خطوة تربط المؤسسة الإسلامية مباشرة بقطاع السياحة الإقليمي.
وتأتي المشاركة في أعقاب إطلاق برنامج للسياحة الصديقة للمسلمين، يستهدف تهيئة الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية لاستقبال المسافرين المسلمين، عبر توفير الطعام الحلال، وأماكن الصلاة، وخدمات تراعي الخصوصية الدينية والثقافية للزائر.
ويعكس هذا التحرك تحولًا لافتًا؛ فالمسجد لم يعد فقط مكانًا لخدمة المسلمين المقيمين في المدينة، وإنما أصبح جزءًا من تقديم فوز دو إيغواسو كوجهة سياحية أمام أسواق جديدة.
الحدود الثلاثية.. مجتمع يتجاوز خطوط الدول
وتكتسب فوز دو إيغواسو خصوصيتها من موقعها عند نقطة التقاء البرازيل بالأرجنتين وباراغواي، وهي منطقة تتشابك فيها التجارة والسياحة وحركة السكان بصورة يومية.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تبرز مدينة سيوداد ديل إستي في باراغواي باعتبارها واحدة من أهم مناطق الوجود العربي والإسلامي في البلاد، حيث تنتشر المطاعم العربية والمساجد ومؤسسات مرتبطة بالجالية.
ولا تمثل الحدود السياسية في هذه المنطقة حاجزًا اجتماعيًا حادًا؛ إذ يتحرك السكان والزوار بين المدن الثلاث، ما جعل الوجود الإسلامي جزءًا من بيئة متعددة الثقافات تتداخل فيها الهويات العربية واللاتينية والدينية المختلفة.
وتشير شهادات ميدانية من سيوداد ديل إستي إلى وجود مجتمع عربي ومسلم واضح الحضور داخل الحياة اليومية للمدينة، إلى جانب الباراغواييين والبرازيليين وجاليات أخرى، وإن كانت هذه الشهادات لا تمثل إحصاءات رسمية بشأن حجم المسلمين.
من الهوية إلى المواطنة
ولا يقتصر التحول في البرازيل على قطاع السياحة.
فمن المقرر أن تشهد البلاد، اعتبارًا من 29 سبتمبر، سلسلة جلسات ضمن ندوة «الهوية الإسلامية في أمريكا اللاتينية»، بمشاركة مؤسسات إسلامية، على أن تستكمل فعالياتها خلال أكتوبر.
وتناقش الندوة قضايا تتجاوز المفهوم التقليدي للحفاظ على الهوية، لتشمل المواطنة والعلاقة مع غير المسلمين وقيم التعايش والمشاركة داخل المجتمعات الأمريكية اللاتينية.
ويحمل اختيار هذه القضايا دلالة مهمة؛ إذ يعكس انتقال بعض المؤسسات الإسلامية من سؤال «كيف نحافظ على هوية الجالية؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية ممارسة المسلمين دورًا طبيعيًا وفاعلًا داخل مجتمعاتهم.
الأرجنتين.. مؤسسة دينية بحضور اجتماعي وإعلامي
وفي الأرجنتين، يتخذ الحضور الإسلامي شكلًا مؤسسيًا أكثر استقرارًا.
فالمركز الإسلامي للجمهورية الأرجنتينية لا يعمل باعتباره مؤسسة دينية فحسب، وإنما يقدم أنشطة تعليمية وثقافية واجتماعية، إلى جانب الخدمات المرتبطة بالشؤون الدينية.
كما يمتد نشاطه إلى المجال الإعلامي من خلال برنامج «El Cálamo»، الذي يتناول الإسلام وتاريخه وثقافته وأخبار المجتمع الإسلامي الأرجنتيني، في نموذج يعكس انتقال الخطاب الإسلامي من نطاق المساجد إلى وسائل الإعلام العامة.
ويظهر البعد الاقتصادي كذلك من خلال قطاع «الحلال»، الذي أصبح جزءًا من العلاقة بين المؤسسات الإسلامية وقطاعات الإنتاج والتصدير، بما يمنح الوجود الإسلامي بعدًا يتجاوز النشاط الديني المباشر.
حضور ديني يتحول إلى مورد اقتصادي
ويبدو قطاع الحلال والسياحة الإسلامية أحد أبرز أوجه التحول في أمريكا الجنوبية.
ففي البرازيل، تسعى الجهات المشاركة في مشروع السياحة الصديقة للمسلمين إلى الاستفادة من نمو سوق السفر الإسلامي عالميًا، في وقت أصبحت فيه احتياجات المسافر المسلم جزءًا من خطط عدد متزايد من الوجهات السياحية.
ويمثل ذلك تغيرًا مهمًا في النظرة إلى الجاليات المسلمة؛ فبدل التعامل معها باعتبارها أقليات دينية فقط، أصبحت بعض المدن تنظر إلى ثقافتها واحتياجاتها باعتبارها جزءًا من النشاط الاقتصادي والسياحي.
وتوفر منطقة الحدود الثلاثية بيئة مناسبة لهذا التوجه، نظرًا إلى وجود بنية إسلامية قائمة بالفعل من مساجد ومطاعم وخدمات حلال، فضلًا عن حركة سياحية دولية واسعة.
السياسة والأمن.. ملف مختلف
ورغم هذا التوسع المؤسسي، فإن المشهد لا يخلو من ملفات سياسية وأمنية.
ففي يناير 2026، أدرجت الحكومة الأرجنتينية فروعًا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن ضمن سجل الكيانات والأشخاص المرتبطين بالإرهاب وتمويله، استنادًا إلى تقديرات وتقارير أمنية رسمية.
لكن القرار يتعلق بفروع محددة من الجماعة، ولا يمثل إجراءً ضد الإسلام أو المؤسسات الإسلامية في الأرجنتين عمومًا، وهو تمييز ضروري عند قراءة أوضاع المسلمين في البلاد.
ويعكس ذلك طبيعة الصورة المركبة في أمريكا الجنوبية؛ إذ يمكن أن تتزامن سياسات أمنية تتعلق بكيانات محددة مع استمرار النشاط الطبيعي للمؤسسات الإسلامية المحلية واتساع حضورها المجتمعي.
جيل جديد من المؤسسات الإسلامية
ولا تبدو التحركات الحالية مجرد توسع عددي في عدد المؤسسات، بل تعكس تغيرًا في طبيعة الدور الذي تؤديه.
فالمسجد يدخل قطاع السياحة، والمؤسسة الدينية تعمل في الإعلام، وهيئات إسلامية تناقش المواطنة والحوار، بينما تتحول صناعة الحلال إلى مساحة للتفاعل مع الاقتصاد المحلي والدولي.
وهكذا يتشكل نموذج مختلف للحضور الإسلامي في أمريكا الجنوبية، لا يقوم على الانعزال داخل حدود الجالية، ولا على التخلي عن الهوية، وإنما على محاولة الجمع بين الاثنين: الحفاظ على الخصوصية الدينية والانخراط في المجتمع الأوسع.
من «الجالية» إلى «الشريك المجتمعي»
وتبدو منطقة الحدود الثلاثية أوضح مثال على هذا التحول؛ فمن مجتمع أسسته الهجرة العربية والإسلامية قبل عقود، إلى مؤسسات تشارك اليوم في معارض السياحة، وتدعم الخدمات الحلال، وتقدم ثقافتها باعتبارها جزءًا من التنوع المحلي.
وفي الأرجنتين، يتخذ المسار شكلًا آخر عبر الإعلام والتعليم والعمل المؤسسي، بينما تحتفظ سيوداد ديل إستي في باراغواي بدورها كمركز اجتماعي وتجاري لجالية عربية ومسلمة متجذرة.
وتشير هذه المسارات، رغم اختلافها من دولة إلى أخرى، إلى اتجاه مشترك: الوجود الإسلامي في أجزاء من أمريكا الجنوبية لم يعد مجرد وجود سكاني يحتاج إلى الحفاظ على هويته، وإنما بات يسعى إلى تحويل هذه الهوية إلى حضور مؤسسي واقتصادي وثقافي أوسع.
ومن هنا، ربما يكون التحول الأبرز ليس في زيادة عدد المسلمين أو المساجد، وإنما في تغير موقع المؤسسات الإسلامية نفسها داخل المجتمع؛ من مؤسسات تخدم أبناء الجالية إلى مؤسسات تحاول أن تصبح جزءًا من السياحة والاقتصاد والثقافة والحوار العام في القارة.