قطر توسع شراكاتها التجارية مع البرازيل عبر بوابة القطاع الخاص
شراكات جديدة في الغذاء والزراعة واللوجستيات تدعم تنويع الاستثمارات
- محمود الشاذلي
- 30 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- البرازيل, قطر
تتحرك قطر لتوسيع حضورها الاقتصادي في البرازيل عبر تعزيز دور القطاع الخاص، في وقت تتجه فيه العلاقات التجارية بين الجانبين إلى مجالات تتجاوز التجارة التقليدية، لتشمل الأمن الغذائي والزراعة والتصنيع واللوجستيات والتكنولوجيا.
وشاركت غرفة قطر في النسخة الخامسة من المنتدى الاقتصادي العربي–البرازيلي، الذي استضافته مدينة ساو باولو خلال الفترة من 25 إلى 27 أغسطس (آب) 2026، بمشاركة ممثلين عن القطاعين الحكومي والخاص من الدول العربية والبرازيل.
وتأتي المشاركة القطرية في إطار مساعٍ لتعزيز التعاون بين الشركات، وفتح المجال أمام استثمارات ومشروعات مشتركة يمكن أن تدعم العلاقات الاقتصادية بين قطر والبرازيل خلال السنوات المقبلة.
الغذاء في صدارة الاهتمام
يحظى قطاع الغذاء والزراعة بأهمية خاصة في التعاون القطري–البرازيلي، نظراً إلى المكانة التي تتمتع بها البرازيل في الإنتاج الزراعي والغذائي العالمي.
وشارك محمد بن أحمد العبيدلي، عضو مجلس إدارة غرفة قطر ورئيس لجنتي الأمن الغذائي والبيئة والتكنولوجيا والابتكار، في جلسة ناقشت الأمن الغذائي والأعمال الزراعية ومرونة إمدادات الأسمدة.
ويعكس اختيار هذه الموضوعات طبيعة المصالح المشتركة بين البلدين. فالبرازيل تمتلك قاعدة واسعة في إنتاج السلع الزراعية والغذائية، بينما تبحث قطر عن تعزيز أمن إمداداتها وتنويع مصادر الغذاء والمواد الأساسية.
ولا يتوقف المجال أمام الاستثمار عند استيراد المنتجات الزراعية، إذ يمكن أن تمتد الشراكات إلى التصنيع الغذائي والتخزين وسلاسل التبريد والنقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الزراعية.
وهذا النموذج يمكن أن يمنح الشركات القطرية حضوراً أكبر في سلسلة الإمداد بدلاً من الاقتصار على العلاقة التجارية بين المنتج والمستورد.
من الاستيراد إلى الاستثمار
تسعى الدوحة في السنوات الأخيرة إلى توسيع نطاق استثماراتها وشراكاتها الخارجية، وعدم حصر العلاقات الاقتصادية في قطاع الطاقة.
وتوفر البرازيل فرصة مهمة في هذا الاتجاه، بفضل حجم اقتصادها وتنوع قطاعاتها الإنتاجية ومواردها الطبيعية وسوقها المحلية الكبيرة.
وتشير التحركات الأخيرة لغرفة قطر إلى اهتمام واضح بربط رجال الأعمال والشركات في البلدين، وفتح قنوات مباشرة أمام القطاع الخاص للتعرف إلى فرص الاستثمار والتعاون.
وبحسب غرفة قطر، تشمل مجالات التعاون المطروحة الزراعة وإنتاج الغذاء والمنتجات الحلال والأعلاف والأسمدة واللوجستيات والتكنولوجيا والابتكار.
وتكتسب المنتجات الحلال أهمية إضافية، في ظل اتساع الطلب العالمي عليها، وقدرة البرازيل على لعب دور مهم في إنتاج وتصدير اللحوم والمواد الغذائية إلى الأسواق العربية والإسلامية.
أرقام تكشف حجم المصالح
ولا تبدأ العلاقات الاقتصادية القطرية–البرازيلية من الصفر.
فقد قالت غرفة قطر في 2025 إن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 1.3 مليار ريال قطري خلال العام السابق، مشيرة إلى وجود استثمارات قطرية في البرازيل بمجالات متعددة، من بينها الطاقة والمصارف والعقارات.
وفي أغسطس 2026، قال رئيس الغرفة التجارية العربية البرازيلية، ويليام ديب، إن الاستثمارات القطرية في البرازيل تجاوزت 7 مليارات دولار منذ عام 2010.
وتشير هذه الأرقام إلى وجود قاعدة استثمارية وتجارية يمكن البناء عليها، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع الفرص المطروحة في المنتديات الاقتصادية تحولت إلى مشروعات قائمة.
ولهذا تركز المرحلة المقبلة على قدرة الشركات في البلدين على تحويل الاتصالات والحوارات إلى عقود واستثمارات فعلية.
قطر كمركز لوجستي
في المقابل، لا تقتصر الفائدة المحتملة للبرازيل على جذب رأس المال القطري.
فالشركات البرازيلية تستطيع الاستفادة من موقع قطر وشبكات النقل والخدمات اللوجستية لديها للوصول إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وآسيا.
وتملك قطر بنية تحتية للنقل والخدمات الجوية والبحرية يمكن أن تساعد في تعزيز حركة السلع بين أميركا الجنوبية والمنطقة، خصوصاً مع تطور سلاسل الإمداد العالمية والحاجة إلى تنويع مسارات التجارة.
ومن هنا يمكن أن تتشكل علاقة اقتصادية متبادلة: البرازيل توفر المنتجات والموارد والقدرات الصناعية والزراعية، بينما توفر قطر بوابة إلى الأسواق الخليجية وشبكة من الخدمات اللوجستية والاستثمارية.
القطاع الخاص كلمة السر
وتكشف المشاركة القطرية في المنتدى عن الدور المتزايد للقطاع الخاص في صياغة العلاقات الاقتصادية الدولية.
فالاتفاقات الحكومية تمهد الطريق، لكن المستثمرين والشركات هم أصحاب القرار النهائي في تحديد القطاعات القابلة للنمو والمشروعات التي يمكن تنفيذها.
ولهذا تمثل لقاءات رجال الأعمال أهمية تتجاوز الجانب البروتوكولي، لأنها تتيح للشركات دراسة الأسواق والشركاء والتكاليف والمخاطر بصورة مباشرة.
وفي حالة قطر والبرازيل، تبدو قطاعات الأمن الغذائي والزراعة والتصنيع واللوجستيات من أكثر المجالات القابلة لتطوير شراكات طويلة الأجل.
تحديات أمام التوسع
ورغم الفرص، فإن توسيع الاستثمارات القطرية في البرازيل يواجه تحديات مرتبطة بحجم المسافة الجغرافية، واختلاف البيئات التنظيمية، وتكاليف النقل، وطبيعة الأسواق، إضافة إلى حاجة المشروعات الكبرى إلى تمويل ودراسات جدوى وشركاء محليين.
كما أن ارتفاع حجم التجارة لا يعني تلقائياً ارتفاع الاستثمارات المباشرة. فالانتقال من بيع وشراء السلع إلى إقامة مصانع ومراكز توزيع ومشروعات مشتركة يحتاج إلى التزامات طويلة الأجل.
ومن ثم، فإن نجاح التحرك القطري لن يقاس بعدد المشاركين في المنتديات أو اللقاءات التي تعقد بين رجال الأعمال، وإنما بما ينتج عنها من مشروعات قابلة للتنفيذ.
شراكة قابلة للتوسع
تمتلك قطر والبرازيل عناصر اقتصادية يمكن أن تدعم توسيع العلاقات خلال المرحلة المقبلة.
فالبرازيل تبحث عن أسواق واستثمارات وشركاء في الشرق الأوسط، بينما تسعى قطر إلى تنويع مصادر الغذاء والاستثمار وتعزيز حضور شركاتها في الأسواق الدولية.
وتوفر قطاعات الغذاء والزراعة والأسمدة واللوجستيات والتكنولوجيا أرضية مشتركة يمكن البناء عليها، خصوصاً إذا انتقلت العلاقات من الاستيراد والتصدير إلى الاستثمار في مراحل الإنتاج والتصنيع والتوزيع.
وبذلك، تبدو المشاركة القطرية في المنتدى الاقتصادي العربي–البرازيلي خطوة ضمن مسار أطول لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الدوحة وبرازيليا هو تحويل الفرص التي تطرحها اللقاءات الاقتصادية إلى استثمارات حقيقية، وشراكات مستدامة، وزيادة في التجارة غير التقليدية، بما يجعل العلاقة الاقتصادية أكثر تنوعاً وأقل ارتباطاً بقطاع واحد.