عودة الروهنجيا من ماليزيا تصطدم بشروط الأمان والحقوق

أنور إبراهيم يعيد ملف الروهنجيا للواجهة

أعادت ماليزيا ملف إعادة اللاجئين الروهنجيا إلى ميانمار إلى الواجهة بعد إعلان رئيس الوزراء أنور إبراهيم أن كوالالمبور اتفقت مع السلطات في ميانمار على استقبال خمسة آلاف لاجئ، ضمن خطة تقول الحكومة الماليزية إنها طوعية. وتعتزم ماليزيا إعادة الدفعة الأولى في 29 سبتمبر، فيما تستضيف البلاد نحو 193 ألف لاجئ من ميانمار، بينهم عدد كبير من الروهنجيا.

العودة إلى ميانمار

لكن الرواية الرسمية الماليزية تواجه اعتراضاً جوهرياً من الروهنجيا أنفسهم ومنظمات حقوقية؛ فالمشكلة بالنسبة إليهم ليست في مبدأ العودة إلى الوطن، بل في العودة إلى وطن لم تتغير فيه الشروط التي دفعتهم إلى الفرار أصلاً.

وهذه نقطة أساسية في فهم موقف اللاجئين. ففي تجمعات الروهنجيا بمخيمات بنغلاديش، خرج عشرات الآلاف في 25 أغسطس مطالبين بالعودة إلى ميانمار، لكنهم طالبوا في الوقت نفسه بأن تكون العودة آمنة وكريمة ومستدامة، مع توفير الأمن والحقوق الأساسية. أي أن رفض العودة غير المشروطة لا يعني أن الروهنجيا يريدون البقاء لاجئين إلى الأبد؛ بل إن كثيراً منهم يؤكدون أن وطنهم هو الوجهة التي يريدون العودة إليها متى توفرت شروط الحياة الآمنة.

منظمة الروهنجيا الإثنية في ماليزيا

وتتكرر الرسالة نفسها لدى الروهنجيا الموجودين في ماليزيا. فقد قال ظفر، رئيس منظمة الروهنجيا الإثنية في ماليزيا، إن اللاجئين يريدون العودة إلى بلادهم، لكن الظروف القائمة في ولاية أراكان تجعل العودة القسرية شديدة الخطورة، مشيراً إلى استمرار غياب الجنسية والأمن والكرامة بالنسبة إلى الروهنجيا. وطالبت المنظمة رابطة آسيان وماليزيا بوقف الإعادة إلى أن تتغير الظروف في ميانمار.

وهنا تظهر المخاوف من أن تتحول عبارة «العودة الطوعية» إلى ترحيل غير مباشر تحت ضغط الظروف. فاللاجئ الذي يعيش من دون وضع قانوني مستقر، ويواجه قيوداً على العمل والتعليم، ويتعرض لضغوط متزايدة في بلد اللجوء، قد يجد نفسه أمام خيارين كلاهما صعب: البقاء في ظروف قاسية أو العودة إلى بلد لا تتوافر فيه ضمانات كافية. ولذلك فإن مجرد توقيع اللاجئ على الموافقة لا يكفي وحده لإثبات أن العودة كانت حرة ومستنيرة.

وقد حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من هذه المسألة بوضوح. ففي الأول من سبتمبر قالت إن ميانمار ما زالت غير آمنة بسبب الحرب والعنف المستمرين، وإنها لا تشارك في برنامج الإعادة الماليزي. وأكدت أن العودة يجب أن تكون طوعية وقائمة على قرار مستنير، وأن تتم في ظروف من الأمان والكرامة، وفق مبدأ عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن معرضين فيها لخطر الاضطهاد أو انتهاك حقوقهم.

الصراع

والأهم أن الظروف داخل أراكان لم تتحسن بصورة تسمح بإغلاق ملف الخطر. فالصراع بين الجيش الميانماري وجيش أراكان ما زال مستمراً، وقد سيطر جيش أراكان على مساحات واسعة من ولاية راخين، بينما أدى استمرار القتال إلى زيادة النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية. كما أن الروهنجيا ما زالوا يواجهون مشكلة أساسية لم تُحل، وهي الجنسية والاعتراف بحقوقهم كمواطنين.

وتزداد حساسية المسألة لأن الحكومة الميانمارية نفسها تقول إن نحو 309 آلاف شخص من الروهنجيا في بنغلاديش تم التحقق من أنهم كانوا يقيمون في ولاية راخين، وأنها مستعدة لاستقبالهم عندما يتحسن الوضع الأمني. لكن هذا الإعلان لا يقدم وحده إجابة عن الأسئلة التي يطرحها اللاجئون: أين سيعيشون؟ وهل سيستعيدون منازلهم وأراضيهم؟ وهل سيحصلون على الجنسية؟ ومن سيضمن سلامتهم؟ وهل ستوجد آلية مستقلة لمراقبة أوضاعهم بعد العودة؟

كما أن هناك اختلافاً مهماً بين موقف الحكومة الميانمارية ومطالب الروهنجيا. فميانمار لا تزال لا تعترف بالروهنجيا باعتبارهم مجموعة إثنية تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة، بينما يطالب اللاجئون بالاعتراف بهويتهم وحقوقهم المدنية والسياسية. ولذلك فإن إعادة الأشخاص إلى الأراضي التي خرجوا منها من دون معالجة قضية المواطنة قد تعيد إنتاج مشكلة النزوح نفسها حتى لو توقفت العمليات العسكرية في بعض المناطق.

الضغوط الواقعة على ماليزيا

ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل الضغوط الواقعة على ماليزيا. فالحكومة تستضيف عشرات الآلاف من اللاجئين، بينما لا تمنحهم منظومة قانونية كاملة للاجئين، وتتعرض لضغوط داخلية بسبب الهجرة غير النظامية وتكاليف الاستضافة. ولهذا يقول أنور إبراهيم إن بلاده لا تستطيع استضافة اللاجئين إلى الأبد، وإن التفاوض المباشر مع السلطة القائمة في ميانمار أكثر فاعلية من الاكتفاء بإدانتها.

لكن هذا المنطق السياسي يصطدم بالبعد الإنساني والقانوني. فقد حذرت منظمة العفو الدولية في ماليزيا من أن الظروف الآمنة والكريمة والمستدامة للعودة لا تتوافر حالياً في ولاية راخين، وطالبت بوقف عملية الإعادة. كما شددت الجمعية الوطنية الماليزية لحقوق الإنسان على ضرورة وجود ضمانات قانونية حقيقية، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.

وهناك مفارقة ينبغي التوقف عندها: الروهنجيا يريدون العودة، لكنهم لا يريدون أن يعودوا إلى الوضع الذي هربوا منه. وهذا يغير طبيعة النقاش بالكامل. فالخيار ليس بين «العودة» و«رفض العودة»، وإنما بين عودة تحقق الأمن والكرامة والحقوق، وعودة قد تنقل اللاجئ من مخيم في بلد آخر إلى منطقة صراع بلا ضمانات.

كما أن التجارب السابقة لا تشجع على التفاؤل. فقد فشلت محاولات سابقة لإعادة الروهنجيا من بنغلاديش إلى ميانمار، لأن اللاجئين رفضوا العودة في ظل المخاوف الأمنية وغياب ضمانات الحقوق. ومع استمرار القتال في راخين، تبدو المشكلة الحالية أعمق من مجرد نقل الأشخاص عبر الحدود.

شروط العودة

لذلك فإن أي خطة جادة لإعادة الروهنجيا ينبغي أن تبدأ بتغيير الظروف التي صنعت اللجوء، لا بمجرد تنظيم عملية النقل. وتشمل الشروط التي يطالب بها الروهنجيا ضمان الأمن، واستعادة الحقوق المدنية، وحل مشكلة الجنسية، وحماية الممتلكات والأراضي، والسماح بعودة حقيقية إلى مناطقهم الأصلية، ووجود رقابة دولية مستقلة تضمن عدم تعرض العائدين للاضطهاد مجدداً.

أما إذا تمت العودة بينما الحرب مستمرة، والهوية والحقوق القانونية لم تُحسم، ولا توجد ضمانات مستقلة، فإن وصف العملية بأنها «طوعية» سيظل محل خلاف جدي. وهذا تحديداً ما يجعل موقف الروهنجيا جزءاً أساسياً من أي تقييم للبرنامج الماليزي، وليس مجرد اعتراض جانبي على قرار حكومي.

المصادر:

رويترز، 16 سبتمبر 2026، حول خطة ماليزيا لإعادة الروهنجيا وتفاوض أنور إبراهيم مع سلطات ميانمار.

رويترز، 1 سبتمبر 2026، تحذير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من عدم أمان ميانمار وعدم مشاركتها في برنامج الإعادة.

أسوشيتد برس، 25 أغسطس 2026، مطالب الروهنجيا في بنغلاديش بعودة آمنة وكريمة إلى ميانمار.

وكالة الأناضول، 17 أغسطس 2026، حول اعتراف ميانمار بأكثر من 308 آلاف من الروهنجيا بوصفهم من سكان راخين السابقين وشروط العودة.

منظمة العفو الدولية في ماليزيا، 29 أغسطس 2026، حول مخاطر إعادة الروهنجيا إلى ميانمار.

منظمة حقوق الإنسان الوطنية الماليزية، 31 يوليو 2026، حول الضمانات القانونية ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

نيو ستريتس تايمز، 30 يوليو 2026، مقابلة مع رئيس منظمة الروهنجيا الإثنية في ماليزيا بشأن مخاوف اللاجئين من العودة.

اترك تعليقا