سلاح الخزانة الأميركية في مواجهة ارتفاع الفائدة.. هل تنقذ السندات الاقتصاد؟

مشتريات الخزانة تستهدف كلفة الاقتراض المرتفعة

تدخلت “وزارة الخزانة الأميركية” لتهدئة واحدة من أخطر جبهات الضغوط المالية في “الولايات المتحدة”، مع “تصاعد عوائد السندات طويلة الأجل” إلى مستويات ترفع تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات والحكومة، في خطوة تكشف حجم القلق داخل إدارة الرئيس “دونالد ترامب” من استمرار ارتفاع الفائدة.

وبحسب تقرير معمق نشرته «أكسيوس»، أعلنت الخزانة أنها ستوسع مشترياتها من سندات الخزانة طويلة الأجل، في تحرك مفاجئ دفع عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى الانخفاض بنحو (0.1 نقطة مئوية) فور الإعلان، في إشارة إلى حساسية الأسواق لأي تدخل يستهدف سوق الدين الأميركي.

وتكتسب الخطوة أهمية استثنائية لأن السندات ليست مجرد أداة لتمويل الحكومات، فهي أحد الأعمدة الأساسية للنظام المالي العالمي، و”السند” هو في جوهره أداة دين تقترض من خلالها الحكومة أو الشركة أموالًا من المستثمرين مقابل دفع فوائد وإعادة أصل المبلغ عند الاستحقاق، وتُستخدم عوائد السندات، خصوصًا سندات الخزانة الأميركية، مرجعًا لتسعير عدد واسع من القروض والرهون العقارية وتمويل الشركات.

وعندما ترتفع عوائد السندات، ترتفع معها تكلفة الأموال في قطاعات واسعة من الاقتصاد، ما قد يضغط على الاستثمار والإسكان والاستهلاك وأرباح الشركات، كما أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية يمكن أن يمتد أثره إلى الأسواق العالمية عبر تحركات الدولار وتدفقات رؤوس الأموال وتكلفة الاقتراض في الاقتصادات الأخرى.

شراء السندات لتبريد السوق..

اعتزمت الخزانة رفع الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات إلى (4 مليارات دولار) على الأقل للعملية الواحدة، مقارنة بنحو (ملياري دولار) حاليًا، مع التركيز على السندات التي تتراوح آجالها بين (10 و30 عامًا)، وهي الشريحة التي تعرضت لأكبر ضغوط ارتفاع العوائد.

ومن المقرر أن يستمر البرنامج من (9 سبتمبر إلى 4 نوفمبر)، بالتزامن مع اقتراب “انتخابات التجديد النصفي الأميركية”، ما يضفي على الخطوة بعدًا اقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد.

وتقوم الفكرة على أن زيادة طلب الخزانة على السندات طويلة الأجل تساعد في دعم أسعارها، وهو ما يضغط بدوره على عوائدها، وبالتالي يمكن أن يخفف جزءًا من تكلفة الاقتراض طويلة الأجل.

ووصف “جينادي غولدبرغ”، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «تي دي سيكيوريتيز»، ذراع الخدمات المصرفية الاستثمارية والأسواق التابعة لمجموعة «تي دي بنك» الكندية، الخطوة بأنها أشبه بـ«تدخل لفظي» من الخزانة، موضحًا أن واشنطن توجه تحذيرًا إلى السوق قبل بدء عمليات الشراء الأكبر.

ورغم ذلك، فإن حجم البرنامج يظل صغيرًا مقارنة بسوق الدين الحكومي الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار، ما يعني أن المشتريات لن تكون كافية بمفردها لتحديد اتجاه أسعار الفائدة طويلة الأجل.

وبلغ عائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا نحو (5.2%) ظهر أمس الأربعاء، مقابل حوالي (4.63%) قبل اندلاع الحرب مع إيران، ما يعكس حجم الارتفاع الذي شهدته تكاليف الاقتراض خلال الفترة الأخيرة.

ولا يمثل التحرك تيسيرًا كميًا بالمعنى التقليدي، فـ”وزارة الخزانة” لا تطبع الأموال لشراء السندات كما يفعل “الاحتياطي الفيدرالي”، وإنما تعيد تشكيل آجال ديونها عبر استبدال جزء من الاقتراض طويل الأجل بديون قصيرة الأجل.

ويشبه ذلك، وفق “غولدبرغ”، بصورة محدودة ما عُرف بـ«عملية تويست» التي استخدمها الاحتياطي الفيدرالي عام 2011، عندما اشترى سندات طويلة الأجل وباع أخرى قصيرة الأجل بهدف خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

اختبار جديد لـ”بيسنت” و”وارش”..

يأتي تدخل الخزانة في وقت تواجه فيه “إدارة ترامب” معضلة صعبة: ارتفاع تكاليف الاقتراض يضغط على الأسر وسوق الإسكان والشركات، بينما تؤدي تداعيات الحرب مع إيران إلى زيادة مخاطر التضخم، ما يجعل خفض الفائدة مهمة أكثر تعقيدًا.

وكانت محاولات سابقة لاستخدام أدوات حكومية لدعم سوق الإسكان قد حققت نتائج مؤقتة، إذ أدى الحديث عن شراء «فاني ماي» و«فريدي ماك»، وهما مؤسستان أميركيتان كبيرتان في سوق الإسكان والتمويل العقاري، ودورهما مهم جدًا في جعل البنوك قادرة على تقديم القروض العقارية لسندات الرهن العقاري إلى تراجع معدلات الرهن العقاري قبل أن تعود للارتفاع.

كما أظهر وزير الخزانة “سكوت بيسنت” استعدادًا للتدخل عندما تتحرك الأسواق في اتجاه تعتبره الإدارة ضارًا، وكان تدخل الخزانة لدعم “الين الياباني” قد أحدث تأثيرًا سريعًا، قبل أن يتلاشى جزء كبير منه لاحقًا.

وتبرز هنا حساسية العلاقة بين الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، فبينما تتولى الخزانة إدارة الاقتراض الحكومي، يحدد الاحتياطي الفيدرالي السياسة النقدية وأسعار الفائدة بشكل مستقل، إلا أن ارتفاع الدين الحكومي وتكاليفه يجعل قرارات المؤسستين متشابكة بصورة متزايدة.

وقد دعم بيسنت ورئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش فكرة تعاون أوثق بين المؤسستين، فيما طرح وارش سابقًا تصورًا لاتفاق جديد ينسق بصورة أكبر بين إدارة الدين الحكومي وميزانية الاحتياطي الفيدرالي.

وتكمن أهمية سوق السندات في أن تأثيره لا يتوقف عند المستثمرين، فارتفاع العوائد يرفع تكلفة تمويل الشركات، ويضغط على أسعار الأسهم والعقارات، ويغير قرارات الاستثمار، وقد يؤثر في النمو والتوظيف والتجارة وتدفقات رأس المال حول العالم، لذلك فإن محاولة واشنطن تهدئة سوق السندات لا تستهدف رقمًا ماليًا فحسب، بل تحاول منع ارتفاع تكلفة المال من التحول إلى عبء أوسع على الاقتصاد الأميركي والعالمي.

وبذلك، تبدو خطوة الخزانة رسالة واضحة إلى الأسواق: واشنطن مستعدة لاستخدام أدواتها المتاحة لكبح موجة ارتفاع العوائد، لكنها لا تملك وحدها السيطرة على المسار الذي ستتخذه أسعار الفائدة طويلة الأجل.

اترك تعليقا