حذف تاريخ المسلمين يشعل أزمة المناهج في الهند
بما يتوافق مع صعود خطاب القومية الهندوسية
- السيد التيجاني
- 15 أغسطس، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير وترجمات
- الخطاب الهندوسي, الهند, تاريخ المسلمين, جامعة دلهي
أثار حذف مقرر دراسي متخصص في تاريخ سلطنة دلهي من أحد المناهج الجديدة في جامعة دلهي جدلاً واسعاً حول مستقبل دراسة التاريخ الإسلامي في الهند، وما إذا كانت مراجعة المناهج الجامعية تأتي في إطار تطوير أكاديمي طبيعي، أم أنها تعكس اتجاهاً أوسع لإعادة صياغة الذاكرة التاريخية للهند بما يتوافق مع صعود خطاب القومية الهندوسية.
وبحسب التقرير المنشور في 15 أغسطس/آب 2026، فقد أزيل مقرر «سلطنة دلهي: هياكل السلطة في شمال الهند في العصور الوسطى، القرنان الثالث عشر والرابع عشر» من المنهج الجديد لطلاب الدراسات العليا، إلى جانب مقرر يتناول شمال الهند بين عامي 1400 و1550.
لكن من المهم التمييز بين ما تؤكده الوثائق الرسمية وما يرد في التقارير السياسية والإعلامية.
فالموقع الرسمي لجامعة دلهي ينشر المناهج والإخطارات الأكاديمية للعام 2026-2027، بينما تُظهر وثائق سابقة وحديثة أن تاريخ الهند بين 1200 و1550، وسلطنة دلهي، والتصوف وحركات البهاكتي، لا تزال حاضرة في بعض مسارات دراسة التاريخ بالجامعة.
كما تظهر وثائق منشورة للجامعة أن الدراسات العليا في التاريخ تضمنت مقررات متخصصة حول سلطنة دلهي وتاريخ المجتمعات الإسلامية في شبه القارة.
تاريخ يتجاوز السلالات
تكمن أهمية الجدل في أن دراسة سلطنة دلهي لا تعني دراسة مجموعة من الحكام المسلمين فحسب، بل تتعلق بمرحلة أساسية في تشكل الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة في شمال الهند. فقد ارتبطت تلك المرحلة بتطور المدن، ونظم الأراضي والضرائب، والتجارة، والمؤسسات السياسية، والعمارة، واللغات، والتصوف، والتفاعل بين جماعات دينية وثقافية متعددة.
ولهذا فإن حذف مقرر متخصص لا يمكن تقييمه فقط من زاوية عدد الصفحات المخصصة للحكام المسلمين؛ فالمسألة الأهم هي ما إذا كان الطالب سيظل قادراً على دراسة هذه المرحلة من خلال مصادر متعددة ومناهج نقدية، أم سيجد نفسه أمام رواية تاريخية تختزل القرون الوسطى في ثنائية «هندوسي مقابل مسلم».
وتشير مناهج سابقة لجامعة دلهي إلى أن دراسة الفترة 1200-1550 كانت تتناول سلطنة دلهي والقوى الإقليمية مثل فيجاياناغارا والبهمني، إضافة إلى التطورات السياسية والإدارية والثقافية والاقتصادية والتصوف والبهاكتي والتجارة والتحضر.
جدل أقدم من قرار 2026
الخلاف الحالي ليس منفصلاً عن سلسلة طويلة من المعارك حول مناهج التاريخ في جامعة دلهي. ففي 2023 أثارت تعديلات على منهج التاريخ انتقادات من أكاديميين بعد حذف مصطلحات مثل «البرهمنة» وسحب مقرر حول أشكال عدم المساواة.
وقالت أستاذة التاريخ في جامعة دلهي مايا جون إن التغييرات يمكن أن تعكس رؤية أيديولوجية تميل إلى تقديم صورة ممجدة للماضي الهندي القديم.
وفي 2024 انتقدت جون وأساتذة آخرون تعديلات في مقرر عن تاريخ دلهي، من بينها حذف قراءة للمؤرخ عرفان حبيب وتغييرات مرتبطة بكيفية تناول تاريخ المدينة. واعتبر المعترضون أن بعض التعديلات لا يمكن فهمها بمعزل عن المسار الأوسع لإعادة صياغة المناهج.
أما في 2025، فقد ظهر جدل جديد بعدما وافقت لجنة مقررات في قسم التاريخ على إدراج «مانوسمريتي» و«بابرنامة» في أحد المقترحات، قبل أن يعلن نائب رئيس الجامعة يوغيش سينغ رفض إدراجهما، مؤكداً أن الجامعة لا تريد مواداً يمكن أن تؤدي إلى الانقسام المجتمعي. وفي المقابل رأى بعض الأساتذة أن حذف النصوص يضيّق مساحة البحث الأكاديمي.
وفي العام نفسه، كشفت تقارير أخرى عن مقترحات لاستبدال شخصيات ومراجع في مقررات التاريخ، بينها استبدال الرحالة ابن بطوطة بالأمير دارا شيكوه والشاعر والفيلسوف محمد إقبال بسردار فالابهبهاي باتيل في أحد المقررات الاختيارية.
ماذا يقول الخبراء؟
تقدم مواقف الأكاديميين صورة أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين «تاريخ مسلم» و«تاريخ هندوسي».
الأستاذة مايا جون كانت من أبرز المنتقدين لتغييرات المناهج، معتبرة أن بعض التعديلات السابقة تعكس سعياً لإعادة إنتاج رؤية أيديولوجية للتاريخ، خصوصاً عندما يجري حذف مفاهيم مرتبطة بالتراتبية الاجتماعية أو إعادة ترتيب المواد بطريقة تغير إطار النقاش التاريخي.
في المقابل، دافع شري براكاش سينغ، مدير حرم الجامعة الجنوبية وعضو اللجنة المعنية بالشؤون الأكاديمية، عن مراجعة المناهج باعتبارها جزءاً من تطبيق سياسة التعليم الوطنية 2020، وقال إن الهدف هو جعل المناهج أكثر شمولاً وتمثيلاً وأقل حملاً أيديولوجياً.
كما برز موقف نائب رئيس الجامعة يوغيش سينغ الذي يؤكد أن إصلاح المناهج ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإثارة الانقسامات الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، أظهر الجدل داخل الجامعة أن أعضاء هيئة التدريس ليسوا متفقين على تفسير معنى «الإصلاح»؛ فهناك من يراه تحديثاً أكاديمياً، وهناك من يخشى أن يصبح أداة لتحديد ما ينبغي للطلاب أن يتذكروه وما ينبغي أن ينسوه.
وهنا تظهر أهمية رأي المؤرخين المتخصصين في العصور الوسطى، مثل سونيل كومار، الذي سبق أن أكد أن دراسة التاريخ لا ينبغي أن تقوم على الملوك والسلالات وحدهم، بل على العمليات التاريخية الأوسع التي شكلت المجتمع والدولة. وهذا المبدأ نفسه يعني أن حذف دراسة السلطنة ينبغي أن يُقاس بمدى قدرة المنهج البديل على تفسير التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها الهند بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر.
ردود الفعل الإسلامية والحقوقية
حتى وقت إعداد هذا التقرير، لا تتوافر مصادر موثوقة تؤكد صدور بيان رسمي من جماعة علماء الهند أو مجلس الأحوال الشخصية الإسلامي لعموم الهند بشأن قرار جامعة دلهي المحدد في 15 أغسطس/آب 2026. ولذلك فإن نسبة موقف مباشر إلى هذه المنظمات من دون بيان منشور ستكون غير دقيقة.
لكن مواقف منظمات وشخصيات إسلامية هندية في نزاعات سابقة حول المناهج تكشف حجم الحساسية تجاه تقديم تاريخ المسلمين. ففي 2025 أثارت تعديلات الكتب المدرسية التابعة للمجلس الوطني للبحوث والتدريب التربوي، والتي تناولت السلطنة والمغول بصورة أكثر تركيزاً على الصراع والانتهاكات، اعتراضات من رجال دين وشخصيات إسلامية رأوا فيها تشويهاً لتاريخ المسلمين. كما دعا عضو مجلس الأحوال الشخصية الإسلامي، خالد رشيد فرَنغي محلي، في نقاش سابق حول المناهج، إلى عدم تقديم دين واحد باعتباره ممثلاً للهوية الهندية، وطالب بأن تعكس المناهج التنوع الديني في البلاد.
أما على المستوى الحقوقي والأكاديمي، فإن جوهر الاعتراض لا يتعلق بمنح المسلمين امتيازاً في كتب التاريخ، وإنما بمبدأ التعددية في التعليم. فالمناهج الجامعية، وفق هذا المنظور، ينبغي أن تتيح للطلاب قراءة المصادر المتعارضة، ودراسة إنجازات الحكام والمجتمعات وأخطاءهم، بدلاً من بناء التاريخ على ثنائية تمجيد مرحلة وإدانة أخرى.
التداعيات المحتملة
إذا تأكد حذف المقررين بصورة نهائية، فإن التداعيات قد تتجاوز حدود جامعة دلهي. أولها احتمال اتساع الفجوة بين المؤرخين الذين يرون التعديلات جزءاً من إصلاح أكاديمي، والذين يرونها جزءاً من «تسييس التاريخ». وثانيها تأثير هذه التغييرات في تكوين جيل جديد من الباحثين الذين قد يدرسون التاريخ الإسلامي من خلال وحدات مختصرة بدلاً من مقررات متخصصة.
أما التداعيات السياسية فتتمثل في إمكانية استخدام المناهج التعليمية في الصراع على الهوية الوطنية. فالهند الحديثة تضم إرثاً هندوسياً وبوذياً وجاينياً وسيخياً وإسلامياً ومسيحياً، فضلاً عن تأثيرات فارسية وتركية وأفغانية وأوروبية.
وأي محاولة لاختزال هذا التاريخ في هوية واحدة قد تزيد الاستقطاب بدلاً من أن تعزز الوحدة.
والأخطر أن حذف مرحلة تاريخية كاملة أو تقليصها قد يدفع الطلاب إلى البحث عن التاريخ خارج المؤسسات الأكاديمية، حيث تنتشر الروايات القومية والطائفية غير المنضبطة.
وفي المقابل، فإن تقديم السلطنة والمغول بصورة مثالية لا يقل خطراً؛ فالجامعة مطالبة بدراسة العنف والصراعات والضرائب والاضطهاد، إلى جانب العمارة والاقتصاد والعلوم والثقافة والتفاعل الحضاري.
معركة الذاكرة لا معركة الماضي
تكشف أزمة جامعة دلهي أن الصراع الحقيقي ليس حول الماضي وحده، بل حول من يملك حق تعريف الماضي. فالتاريخ الأكاديمي لا ينبغي أن يكون محكمة لتبرئة سلالة أو إدانة أخرى، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإثبات تفوق جماعة دينية على أخرى.
وتبقى النقطة الحاسمة هي أن جامعة دلهي نفسها ما زالت تنشر مناهج ووثائق تتضمن دراسة واسعة للتاريخ الهندي في الفترة 1200-1550، بما في ذلك سلطنة دلهي والتصوف والبهاكتي والتطورات الاقتصادية والثقافية.
لذلك فإن الحكم النهائي على مسار «إعادة كتابة التاريخ» يحتاج إلى مقارنة النسخ الجديدة والقديمة للمناهج، وتحديد ما حُذف فعلاً وما نُقل إلى مقررات أخرى وما استُبدل به. غير أن الجدل المتكرر في جامعة دلهي، إلى جانب التعديلات التي شهدتها مناهج المدارس والجامعات الهندية خلال السنوات الأخيرة، يؤكد أن التاريخ أصبح واحداً من أهم ميادين الصراع الثقافي والسياسي في الهند المعاصرة.
وفي النهاية، فإن قوة الهند الأكاديمية لا تكمن في حذف تاريخ السلطنة أو تمجيدها، وإنما في قدرة جامعاتها على تعليم الطالب كيف يقرأ هذا التاريخ نقدياً؛ بكل ما فيه من صراع وتعايش، إنجاز وإخفاق، إسهام وعنف. فحين يُحذف جزء من الماضي لأسباب سياسية، لا يختفي التاريخ، وإنما تنتقل معركته من قاعات الجامعة إلى فضاء المجتمع، حيث تصبح الذاكرة نفسها ساحة للصراع.