ثمن الحرية ونقد السلطة

محمد سعد

قطعت البشرية شوطًا طويلًا، وخاضت صراعات مريرة، ودفعت أثمانًا باهظة، حتى تنتزع حق الناس في نقد السلطة، والاختلاف مع الحكام، ورفض سياساتهم، وحقهم في تأسيس المؤسسات والتنظيمات التي تعبّر عن مصالحهم وتدافع عن حقوقهم وتراقب من يحكمونهم.

ولم تكن هذه الحقوق منحةً من حاكم متسامح، ولا تفضّلًا من سلطة رشيدة، بل كانت تمن بالدم والنار وقرون من النضال ضد الاستبداد، ومحاولات إخضاع المجتمع لإرادة الحاكم، واعتبار الاعتراض عليه خروجًا عن الطاعة أو تهديدًا للاستقرار او كفر بأمر الله الذي ولى ظله على الله يحكم فينا.

أدركت البشرية، عبر تجاربها القاسية، أن السلطة، أيّ سلطة، ليست مقدسة، وأن القائمين عليها بشر يخطئون ويصيبون، وتصيبهم السلطة أحيانا ان لم ينتبهوا بجنون العظمة وسكرة القوة وتتحكم في قراراتهم مصالح وانحيازات وحسابات، وأن امتلاكهم أدوات التشريع والإدارة والقوة لا يمنحهم حق احتكار الصواب، ولا يجعل قراراتهم فوق النقد والمساءلة.

بل إن امتلاك السلطة لهذه الأدوات الجبارة هو بالضبط ما يجعل حرية النقد والاعتراض ضرورة، لا ترفًا سياسيًا. فالمواطن لا يمتلك في مواجهة الدولة ما تمتلكه من أجهزة ومؤسسات وموارد وقدرة على الإكراه، ولذلك لا يمكن الحديث عن توازن حقيقي بين المجتمع والسلطة دون ضمان حق الناس في الكلام والتنظيم والتعبير والاحتجاج والمحاسبة.

والأهم أن هذه الحقوق لا تُقاس بمدى رضا الحاكم عن استخدامها. فحرية النقد التي لا تُمارَس إلا بإذن السلطة، أو التي تتوقف عند حدود ما تعتبره السلطة مقبولًا، ليست حرية بالمعنى الحقيقي، وإنما امتياز مؤقت يمكن سحبه في أي لحظة.

لهذا كله، يصبح مخيفًا للغاية أن نعود، بعد كل هذا التاريخ، لنسمع: «اتقوا الله في الحكومة»، هذه عودة مخيفة وحزينة لأيام غادرتها البشرية وعرفت مخاطرها.. الدولة ليست حكومة فقط، الدولة ناس مشاركة في المعادلة، ومعارضة جزء من النظام، ومن لا يرى في الدولة إلا تأييد الحاكم ولا ينظر لصفحة المعارضة والتوازن، فهو لا يعرف معنى الدولة الحديثة.

والأخطر هنا ليس مجرد الدعوة إلى الصمت، بل محاولة إضفاء قداسة أخلاقية أو دينية على قرارات بشرية قابلة للخطأ، وتحويل الخلاف السياسي المشروع إلى مسألة تتعلق بالتقوى والإيمان الديني.

فالتقوى لا تعني الصمت عن الخطأ، واحترام الدولة لا يعني الخضوع للحكومة، والحفاظ على الاستقرار لا يعني تعطيل حق المجتمع في محاسبة من يحكمونه.

وما ينبغي أن يخيفنا حقًا ليس أن يختلف الناس مع حكامهم، وإنما أن يصبح الاختلاف نفسه موضع اتهام في الأخلاق والدين، وأن تتحول السلطة من مؤسسة بشرية تخضع للمساءلة إلى كيان يُطلب من الناس الصمت أمامه باسم الدين أو الوطنية أو الاستقرار.

فحين يُطلب من الناس أن يخافوا الله بدلًا من أن يحاسبوا من يحكمونهم، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: منذ متى أصبحت مساءلة السلطة نقيضًا للتقوى؟ ومن الذي يملك حق تحويل طاعة الحاكم إلى واجب ديني؟

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا