تلسكوب روبين يرسم خريطة الكون المتغيرة

مشروع يمتد لعشر سنوات لرسم أدق خريطة زمنية للسماء

يشهد علم الفلك مرحلة جديدة مع بدء مرصد فيرا سي روبين في تشيلي تنفيذ أول برامجه العلمية الكاملة، في مشروع يُنظر إليه على أنه أحد أكثر المبادرات طموحاً في تاريخ الرصد الأرضي. ويهدف المرصد إلى مراقبة السماء الجنوبية بصورة مستمرة على مدى عشر سنوات، لتكوين سجل زمني شامل للتغيرات التي تشهدها الأجرام السماوية، في خطوة يتوقع العلماء أن تسهم في إحداث نقلة نوعية في فهم الكون وتطوره.

ويختلف مرصد روبين عن المراصد التقليدية التي تعتمد على التقاط صور منفردة لمناطق محددة من السماء، إذ سيعيد تصوير السماء الجنوبية بالكامل كل ثلاثة أو أربعة أيام باستخدام أكبر كاميرا رقمية صُممت للأبحاث الفلكية، بدقة تصل إلى 3.2 مليار بكسل. وسيتيح ذلك مراقبة ملايين الأجرام السماوية بشكل متكرر، ورصد أي تغيرات تطرأ عليها فور حدوثها تقريباً.

ويرى الباحثون أن هذه الآلية ستوفر فرصة غير مسبوقة لاكتشاف المستعرات العظمى والكويكبات والمذنبات والأجرام العابرة، إضافة إلى متابعة تطور المجرات والنجوم عبر الزمن، وهو ما يمنح العلماء بيانات دقيقة تساعدهم في فهم الظواهر الكونية الديناميكية بدلاً من الاكتفاء بدراسة لقطات ثابتة منها.

ويأمل فريق المشروع أن تسهم البيانات الجديدة في الإجابة عن أسئلة لا تزال تحير العلماء، وفي مقدمتها طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة اللتين تشكلان النسبة الأكبر من الكون، رغم أن تأثيرهما يُستدل عليه من خلال الظواهر الفيزيائية دون إمكانية رصدهما بشكل مباشر حتى الآن.

وأوضح ستيوارت كوردر، نائب مدير مرصد NOIRLab، أن المشروع يمثل تحولاً جذرياً في أسلوب دراسة السماء، مشيراً إلى أن العلماء سيتمكنون لأول مرة من متابعة التغيرات الكونية بصورة متواصلة، وهو ما يزيد من فرص اكتشاف أحداث فلكية نادرة كانت تمر دون ملاحظة في السابق.

بدوره، أكد الباحث في مرصد روبين كيفن رايل أن التحدي الأكبر لن يكون في جمع الصور، بل في معالجة الكم الهائل من البيانات الناتجة عنها. فالمرصد سينتج كميات ضخمة من المعلومات يومياً، ما يتطلب الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة لتحليل مليارات القياسات الفلكية، واستخراج النتائج العلمية منها خلال وقت قصير.

ويعكس المشروع أيضاً تنامي العلاقة بين علوم الفضاء والتكنولوجيا الرقمية، إذ لم تعد الاكتشافات الفلكية تعتمد فقط على التلسكوبات، بل أصبحت مرتبطة بقدرات الحواسيب العملاقة والخوارزميات الذكية القادرة على تحليل البيانات الضخمة والتعرف على الأنماط غير المألوفة، وهو ما يجعل مرصد روبين منصة علمية تجمع بين الفلك وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.

ويستفيد المرصد من موقعه في صحراء أتاكاما التشيلية، التي تُعد من أفضل مناطق العالم للرصد الفلكي بسبب ارتفاعها الكبير، وانخفاض نسبة الرطوبة، وصفاء أجوائها معظم أيام السنة. وقد تحولت المنطقة خلال العقود الأخيرة إلى مركز عالمي للمراصد الفلكية، حيث تستضيف عدداً من أكبر المشروعات الدولية التي تراقب الكون من سطح الأرض.

ولا يتوقع العلماء أن تقتصر نتائج المشروع على تحقيق اكتشافات فلكية جديدة، بل يرون أنه سيقود أيضاً إلى تطوير أدوات وتقنيات جديدة في مجالات معالجة البيانات، والحوسبة الفائقة، والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن توفير قاعدة بيانات مفتوحة يمكن للباحثين حول العالم الاستفادة منها في آلاف الدراسات المستقبلية.

ومع بداية المهمة العلمية للمرصد، يترقب المجتمع العلمي أن يشهد العقد المقبل طفرة في الاكتشافات الفلكية، بدءاً من رصد ملايين الأجرام الجديدة، مروراً بفهم أفضل لبنية الكون، وصولاً إلى احتمال اكتشاف ظواهر لم تكن معروفة من قبل، وهو ما قد يعيد صياغة كثير من المفاهيم الأساسية في علم الكونيات الحديث.