عقوبات ترامب التاريخية .. بين السعي لتركيع إيران وإعادتها للمفاوضات

وهذه خيارات طهران للتعامل معها

الرائد ..دخلت  المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز الانتقال من الضغط العسكري إلى الخنق الاقتصادي والمالي. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تستعد لتوسيع العقوبات على إيران وعلى الدول والشركات التي تتعامل معها، فيما وصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الحملة الجديدة بأنها عملية اقتصادية واسعة تستهدف قطع مصادر الإيرادات الإيرانية.

السؤال هنا ليس فقط: هل تستطيع هذه العقوبات إضعاف الاقتصاد الإيراني؟ فهذا أمر بدأ يظهر بالفعل، مع تراجع قيمة الريال وارتفاع الضغوط التضخمية وتعطل جزء مهم من التجارة والطاقة. السؤال الأصعب هو: هل تستطيع واشنطن تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى انهيار سياسي يجبر طهران على الاستسلام لشروطها؟

لا شك أن العقوبات الأمريكية الجديدة ستكون أكثر خطورة من الجولات السابقة إذا نجحت واشنطن في تطبيق العقوبات الثانوية على الدول التي تواصل التعامل مع إيران. فاستهداف المصارف والشركات الأجنبية لا يعاقب إيران وحدها، بل يضع شركاءها التجاريين أمام خيار صعب: إما مواصلة التعامل مع طهران أو المخاطرة بخسارة الوصول إلى النظام المالي والسوق الأمريكية.

عقوبات قاسية

وهذا تحديداً ما يجعل العقوبات أداة شديدة التأثير؛ فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى السيطرة على كل التجارة الإيرانية، وإنما تستطيع استخدام قوة الدولار والنظام المصرفي العالمي للضغط على الشركات التي تتعامل مع إيران.
لكن تحويل هذه القوة إلى “تركيع” كامل لإيران يظل أكثر تعقيداً. فقد عاشت إيران سنوات طويلة تحت العقوبات وطورت شبكات تجارية ومالية للالتفاف عليها، كما بنت علاقات اقتصادية وسياسية مع الصين وروسيا ودول آسيوية أخرى. وتشير تقارير حديثة إلى أن واشنطن تواجه بالفعل صعوبة في عزل إيران بالكامل بسبب علاقاتها التجارية مع بكين وموسكو.

هنا تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في استراتيجية ترامب. فليس هناك إجماع دولي على أن العقوبات الأمريكية الأحادية ملزمة لجميع دول العالمفالصين، على سبيل المثال، رفضت العقوبات الأمريكية ووصفت الإجراءات الأحادية بأنها تفتقر إلى أساس قانوني دولي، بينما حذرت بكين من أنها ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها المشروعة.
لكن رفض العقوبات سياسياً لا يعني بالضرورة أن كل دولة مستعدة لمواجهة واشنطن اقتصادياً. فالدول الأوروبية والآسيوية لديها مصالح ضخمة مع الولايات المتحدة، ولذلك قد تختار بعض الحكومات تقليص تعاملاتها مع إيران لتجنب العقوبات الثانوية، حتى لو لم تكن مقتنعة بشرعيتها.

هل سيتعامل العالم إيجابياً مع العقوبات؟

وهنا يجب التمييز بين الموقف السياسي والموقف الاقتصادي. قد تعلن دولة ما رفضها للعقوبات، لكنها في الوقت نفسه تطلب من شركاتها توخي الحذر خشية تعرضها للعقوبات الأمريكية.
وقد ظهر هذا التناقض بالفعل؛ إذ أعلنت الإمارات، وهي من أهم الشركاء التجاريين لإيران، تعليق بعض التعاملات المالية معها في ظل تصاعد الضغوط، بينما بقيت الصين أكثر استعداداً لمقاومة الضغط الأمريكي.

ومن المهم الإشارة إلي أن إن إيران لن تكون  بلا أوراق. وأول هذه الأوراق هو تنويع الشركاء التجاريين، وخاصة الاعتماد على الصين وروسيا والأسواق الآسيوية، وتقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية.
وثانيها تطوير آليات تجارية لا تعتمد بصورة كاملة على الدولار، واستخدام المقايضة والترتيبات الثنائية في التجارة، فضلاً عن استمرار البحث عن قنوات مالية بديلة.
أما الورقة الأكثر حساسية فهي الطاقة والموقع الجغرافي لإيران. فاضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز لا يؤثر على إيران وحدها، وإنما يمكن أن يرفع تكلفة الطاقة عالمياً ويضغط على الدول المستوردة للنفط. ولهذا فإن استخدام طهران للضغط على حركة الملاحة يحمل في الوقت نفسه فرصة ومخاطرة: فهو يرفع كلفة العقوبات على الآخرين، لكنه قد يزيد عزلة إيران ويؤدي إلى ردود فعل دولية أقوى.
كما تستطيع إيران استخدام علاقاتها الإقليمية والدبلوماسية لمحاولة منع تكوين جبهة دولية موحدة ضدها، وهو ما يفسر أهمية الاتصالات مع دول مثل باكستان وعُمان وغيرها في البحث عن مخرج سياسي للأزمة.

العقوبات والشركاء

ولكن المفارقة  هنا أن العقوبات قد تكون في النهاية وسيلة للعودة إلى طاولة المفاوضات، وليس بديلاً عنها.فالهدف الحقيقي للعقوبات عادة لا يكون تدمير الاقتصاد لمجرد التدمير، وإنما تغيير حسابات الطرف المستهدف ودفعه إلى تقديم تنازلات. وإذا وصلت الضغوط إلى مستوى يجعل استمرار الوضع الحالي مكلفاً للغاية بالنسبة لطهران، فقد تصبح المفاوضات خياراً أكثر جاذبية.
لوفي المقابل فإن  العقوبات المفرطة قد تدفع الطرف المستهدف إلى التشدد بدلاً من التنازل. وهذا هو الخطر الذي تواجهه واشنطن حالياً. فإيران قد تعتبر العقوبات محاولة لإجبارها على الاستسلام، وبالتالي ترفض التفاوض تحت الضغط وتتمسك بأوراقها التفاوضية.
ومن اللافت أن المسار الدبلوماسي لم يختف تماماً. فقد شهدت الأيام الأخيرة تحركات باكستانية لإحياء الاتصالات، في وقت تقول فيه واشنطن إنها تريد استخدام الضغط الاقتصادي لإجبار إيران على تغيير حساباتها.

والأرجح أن العقوبات ستنجح في إضعاف إيران بشدة، لكنها لن تكون كافية وحدها لإجبارها على الانهيار أو قبول كل الشروط الأمريكية.
فطهران تواجه اقتصاداً منهكاً وضغوطاً متزايدة، لكن لديها في المقابل خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات وشبكة علاقات مع قوى كبرى تستطيع الحد من أثر العزلة الأمريكية.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فمن الصعب تصور التزام عالمي كامل بالعقوبات الأمريكية. بعض الدول ستتعاون خوفاً من العقوبات الثانوية، بينما ستحاول دول أخرى، خصوصاً الصين وروسيا، مقاومة سياسة الإملاء الاقتصادي الأمريكي بدرجات مختلفة.
لذلك تبدو النتيجة الأكثر احتمالاً هي معركة استنزاف اقتصادي متبادل: واشنطن تراهن على أن الألم الاقتصادي سيدفع إيران إلى التفاوض، وطهران تراهن على أن ارتفاع تكلفة العقوبات على الاقتصاد العالمي وشركاء الولايات المتحدة سيجبر واشنطن في النهاية على تخفيف شروطها.

السيناريو الأقوي

وفي هذه الحالة قد تتحول العقوبات من أداة لإسقاط النظام أو “تركيع” إيران إلى ورقة تفاوضية ضخمة على جانبي الطاولة.
ومن هنا، فإن السؤال الحاسم لن يكون: من يستطيع فرض عقوبات أكثر؟ وإنما: من يستطيع تحمل تكلفتها لفترة أطول، ومن يملك القدرة على تحويل الضغط الاقتصادي إلى مكسب سياسي؟
إذا نجحت واشنطن في إغلاق معظم منافذ إيران المالية والنفطية، فقد تضطر طهران إلى العودة للمفاوضات من موقع أضعف. أما إذا تمكنت إيران من الحفاظ على قنوات تجارية مع الصين وروسيا ودول أخرى، فإن العقوبات قد تتحول إلى معركة طويلة لا تحقق هدفها الأساسي.
وبالتالي، فإن العودة إلى المفاوضات تظل السيناريو الأكثر واقعية على المدى المتوسط، لكن ليس بالضرورة نتيجة استسلام إيران؛ بل نتيجة إدراك الطرفين أن استمرار الحرب الاقتصادية المفتوحة قد يكون أكثر كلفة من تقديم تنازلات متبادلة في اتفاق جديد.

اترك تعليقا