تركيا وأوروبا وروسيا أمام تحولات جديدة في علاقة الدولة بالمسلمين

المسلمون بين الشرق والغرب

الرائد// تتزامن في تركيا وأوروبا وروسيا مؤشرات مختلفة على إعادة تشكيل علاقة الدولة بالمؤسسات والجماعات الإسلامية، لكن الاتجاهات الثلاثة ليست متشابهة. ففي تركيا يتزايد النقاش حول حدود تدخل الدولة في المؤسسات الدينية، وفي أوروبا يتجه الجدل نحو كيفية بناء مؤسسات إسلامية محلية أقل اعتماداً على الخارج، بينما تواجه الجماعات المسلمة في روسيا ضغوطاً مرتبطة بتشديد الرقابة على النشاط الديني المستقل.

في تركيا، نشرت مجلة “بالكان إنسايت” في 27 أغسطس تقريراً عن حملة السلطات على جماعة سليمانجي وغيرها من المراكز الدينية المستقلة، وربطت التطورات بمحاولة الرئيس رجب طيب أردوغان إحكام السيطرة على مراكز النفوذ الديني التي لا تخضع بصورة كاملة للدولة. ويشير التقرير إلى أن القضية تتجاوز جماعة بعينها إلى السؤال حول مقدار الاستقلال الذي يمكن أن تحتفظ به المؤسسات الدينية في تركيا.

وهذا النقاش مهم لأن تركيا بنت خلال العقود الأخيرة نموذجاً مختلفاً عن النموذج الكمالي القديم، حيث أصبح حضور الدين في المجال العام أكثر وضوحاً، لكن ذلك لم يؤد بالضرورة إلى استقلال المؤسسات الدينية عن الدولة.

وتذهب دراسة حديثة لمعهد واشنطن إلى أن حكومة أردوغان رفعت قيوداً كمالية مهمة، ومنها القيود المتعلقة بالحجاب، ووسعت حضور الإسلام في التعليم والحياة السياسية. غير أن هذا التوسع جاء ضمن علاقة وثيقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، وليس من خلال نموذج يفصل المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية.

أما في أوروبا، فيبرز نقاش آخر أكثر ارتباطاً بمستقبل الجيل المسلم الجديد. فقد نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 31 أغسطس دراسة بعنوان “الإسلام الأوروبي: تدريب الأئمة برعاية الدولة”، تبحث في محاولة بعض الدول الأوروبية بناء مؤسسات محلية لتدريب الأئمة بدلاً من الاعتماد على أئمة يتم إعدادهم أو إرسالهم من تركيا أو دول إسلامية أخرى.

وهنا تظهر نقطة مهمة: أوروبا لا تواجه فقط سؤال اندماج المسلمين، وإنما سؤالاً مؤسسياً يتعلق بمن يملك القدرة على إنتاج الخطاب الديني داخل المجتمعات المسلمة.

الدراسة تضع المسألة في إطار أوسع: إذا كانت الحكومات الأوروبية تريد أن يصبح الإسلام جزءاً مستقراً من الحياة الأوروبية، فإنها ستحتاج إلى مؤسسات دينية قادرة على العمل باللغة المحلية وفهم القانون والثقافة السياسية للبلد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالها الديني.

لكن هناك خطراً مقابلاً. فإذا تحول تدريب الأئمة إلى مشروع حكومي للسيطرة على مضمون الخطاب الديني، فقد يؤدي ذلك إلى النتيجة المعاكسة، أي دفع بعض المسلمين إلى البحث عن مصادر دينية خارج المؤسسات الرسمية.

وتزداد المسألة حساسية في ظل القيود الأوروبية المتزايدة على نشاط المؤسسات المرتبطة بتركيا. ففي تحليل نشر في أبريل، نقل عن النائب التركي زافر سرايكايا تحذيره من أن القيود الأوروبية على نشاط رئاسة الشؤون الدينية التركية “ديانت” بدأت تؤثر فعلياً في علاقة المؤسسة بالجاليات التركية، محذراً أيضاً من الانقسام وتغير الأجيال داخل الجاليات المسلمة.

وهذا يعني أن الجيل المسلم الأوروبي الجديد قد يكون أقل ارتباطاً بالنموذج الديني الذي وصل مع الجيل الأول من المهاجرين، وأكثر استعداداً لبناء مؤسسات محلية مستقلة. وهذه قد تكون فرصة للاندماج المؤسسي، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تعدد كبير في المرجعيات الإسلامية.

أما روسيا فتقدم نموذجاً مختلفاً تماماً.

فالمسلمون يمثلون ثاني أكبر جماعة دينية في البلاد، ويتركزون تاريخياً في تتارستان وباشكورتوستان وشمال القوقاز، إضافة إلى وجود متزايد في المدن الكبرى نتيجة الهجرة الداخلية والخارجية. لكن المشكلة الأساسية ليست في عدد المسلمين، وإنما في علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية المستقلة.

وفي يونيو الماضي حذرت “موسكو تايمز” من أن الانقسام القديم داخل الإسلام الروسي قد يعيد إنتاج نمط من السيطرة الدينية المشابه للمرحلة السوفياتية، مشيرة إلى أن البنية الرسمية تبدو موحدة من الخارج، بينما توجد داخل المجتمع الإسلامي تيارات ومراكز دينية متعددة.

وهذه قراءة مهمة لأن الدولة الروسية لا تتعامل مع الإسلام باعتباره كتلة واحدة. فهي تدعم مؤسسات إسلامية رسمية يمكنها التعاون مع الدولة، بينما تنظر بحذر أكبر إلى الحركات أو العلماء أو الجماعات التي تمتلك مصادر مستقلة للسلطة الدينية.

ويذهب تحليل نشره مركز الدراسات الخاصة بأوراسيا في مارس إلى أن السياسة الروسية تجاه الإسلام تقوم على مسارين متوازيين: استخدام الهوية الدينية في السياسة الخارجية والجيوسياسية من جهة، وفرض قيود على الدين المستقل عندما ترى السلطة أنه قد يشكل تحدياً للاستقرار السياسي الداخلي من جهة أخرى.

وتزداد أهمية هذه السياسة مع التغير الديموغرافي. فقد أشار تحليل حديث إلى أن المسلمين يشكلون نحو 15 في المئة من سكان روسيا وفق بعض التقديرات، مع توقعات بارتفاع نسبتهم خلال العقود المقبلة بسبب التركيبة العمرية والنمو السكاني في عدد من المناطق ذات الأغلبية المسلمة والهجرة من آسيا الوسطى.

وهنا يبرز التحدي الروسي الحقيقي: كيف يمكن للدولة أن تستوعب مجتمعاً مسلماً يتزايد وزنه الديموغرافي والاقتصادي، من دون أن يؤدي تشديد السيطرة على المؤسسات الإسلامية المستقلة إلى زيادة الشعور بالتهميش؟

التجربة التركية والأوروبية والروسية تكشف إذن ثلاث طرق مختلفة للتعامل مع الإسلام.

تركيا تسعى إلى إبقاء الدين داخل المجال العام مع المحافظة على نفوذ الدولة على مؤسساته الرئيسية. أوروبا تتحرك تدريجياً نحو بناء إسلام مؤسسي محلي، لكنها تخشى في الوقت نفسه من التطرف ومن النفوذ الخارجي.

أما روسيا فتسعى بصورة أوضح إلى ضبط المجال الديني ومنع ظهور مراكز إسلامية مستقلة يمكن أن تتحول إلى قوى اجتماعية أو سياسية خارج السيطرة الرسمية.

واللافت أن مستقبل المسلمين في أوروبا قد يكون في اتجاه مختلف عن النموذجين التركي والروسي معاً. فالأجيال الجديدة من المسلمين الأوروبيين لا تبدو مضطرة بالضرورة إلى الاختيار بين علمانية صارمة وإسلام مرتبط بدولة أجنبية. ويمكن أن تتشكل تدريجياً مؤسسات دينية أوروبية مستقلة، يقودها أئمة وباحثون نشأوا داخل المجتمعات الأوروبية نفسها.

وهذه النقطة تحديداً تجعل الدراسة الجديدة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مهمة؛ لأنها لا تتعامل مع تدريب الأئمة باعتباره قضية دينية فقط، بل باعتباره جزءاً من بناء نموذج أوروبي للتعامل مع الإسلام. 

التعليقات والتحليلات الموثقة:

-مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في دراسة منشورة في 31 أغسطس 2026، ركز على انتقال النقاش الأوروبي نحو بناء قدرات محلية لتدريب الأئمة.

-النائب التركي زافر سرايكايا حذر في أبريل 2026 من آثار القيود الأوروبية على نشاط “ديانت” ومن تغير الأجيال داخل الجاليات.

-“موسكو تايمز” حذرت في يونيو 2026 من أن الانقسامات داخل الإسلام الروسي قد تُستغل لإعادة فرض سيطرة حكومية أكثر صرامة على المؤسسات الدينية.

-كما خلص تحليل مركز الدراسات الخاصة بأوراسيا في مارس 2026 إلى أن روسيا تجمع بين توظيف الهوية الإسلامية في السياسة الخارجية وتقييد النشاط الديني المستقل داخلياً.

المصادر والتواريخ: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 31 أغسطس 2026؛ بالكان إنسايت، 27 أغسطس 2026؛ موسكو تايمز، 17 يونيو 2026؛ مركز الدراسات الخاصة بأوراسيا، 25 مارس 2026؛ تحليل معهد واشنطن، 14 أغسطس 2025.

اترك تعليقا