لماذا لا تخاف كندا من أمريكا وتواجهها في حرب تجارية شرسة؟
انهيار المفاوضات والقرار الكندي الحاسم
- dr-naga
- 1 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
“ارجعوا إلى كندا فوراً، نحن لن نقبل بما عرضه علينا الأمريكيون، ولن نعطيهم ما طلبوه”. باختصار، كان هذا هو فحوى الأمر الذي وجهه رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” لمفوضي كندا الموجودين في واشنطن مساء يوم الجمعة 21 أغسطس 2026، بعد أن اقتنع تماماً أن المفاوضات التجارية مع الإدارة الأمريكية قد وصلت إلى طريق مسدود. وفي اليوم التالي، وقف “كارني” وسط الصحفيين ليشرح لهم موقف كندا بوضوح وحسم من انهيار هذه المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة.
تصريح رئيس الوزراء الكندي: “نحن في حالة حرب تجارية”
في هذا السياق، طرح أحد الصحفيين سؤالاً مباشراً قال فيه: “لماذا نشعر من نبرة كلامك وكأنك تدخل في حرب، وتحديداً حرب تجارية مع أمريكا؟”. وهنا رد عليه “كارني” بصراحة قائلاً: “لأننا تعرضنا للهجوم. أنت تكون في حالة حرب عندما يتم الهجوم عليك، ونحن تعرضنا للهجوم. فقد فرضت علينا الولايات المتحدة تعريفة جمركية نسبتها 50%، وانتظرنا حتى قررت أمريكا فعلياً إدخال رسوم المادة 338 حيز التنفيذ. حسناً؟ نحن الآن لدينا الاحتياطيات، ولدينا القدرة على الصمود، ولدينا الخطة، ولدينا التركيز، وسنرد”.
الموقف الشعبي الكندي: التضامن الرسمي والشعبي رغم التكاليف الاقتصادية
إن نبرة “كارني” التحديّة للأمريكيين ورفعُه لشعار “صفعة مقابل صفعة” ليست مفاجأة إلى حد كبير، بالنظر إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحدى فيها إدارة “دونالد ترامب” أو يهاجمها بقوة. ولكن المفاجئ والمثير للاهتمام في هذه القصة هو موقف الشعب الكندي نفسه من هذه الحرب التجارية مع الأمريكيين. فببساطة، أغلبية الشعب الكندي تشجع حكومة “كارني” على المواجهة التي تخوضها ضد الولايات المتحدة، رغم أنه من المعروف أن هذه المواجهة ستكون مؤلمة وستسبب أضراراً اقتصادية لكندا.
ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه معهد “أنجسريد” (Angus Reid)، يرى 76% من الكنديين أن حكومة “كارني” فعلت الصواب عندما انسحبت من المفاوضات مع الأمريكيين، وذلك على الرغم من أن 89% منهم كانوا قلقين من ارتفاع تكلفة المعيشة. وهذا يعني أن الشعب الكندي يقول لحكومته ببساطة: “نحن ندرك أن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة ستؤلمنا وستكون ذات تبعات اقتصادية قاسية، ولكن هذا لا يعني أننا سنسمح للأمريكيين بالاستعلاء علينا. لا تقبلوا باتفاق تجاري سيء لمجرد تجنب هذه الحرب”.
نقطة الضعف الاستراتيجية لكندا: الاعتماد الكاسح على السوق الأمريكي
تتمثل نقطة ضعف كندا الرئيسية في مواجهة الولايات المتحدة في اعتمادها على السوق الأمريكي بشكل كاسح. ويكفي أن نعلم أن حوالي 70% من صادرات كندا موجهة إلى السوق الأمريكي، وفي صناعة السيارات تحديداً، يذهب أكثر من 90% من السيارات المنتجة في كندا إلى السوق الأمريكي.
إعادة توجيه الصادرات: الهروب من الفخ الأمريكي نحو شركاء جدد
وقد أدرك الكنديون خطورة هذه المشكلة خصوصاً في ولاية “ترامب” الثانية، والتي أصبحوا خلالها متأكدين من أن جارتهم الجنوبية أصبحت غير جديرة بالثقة أو أقل موثوقية بكثير. وعلى هذا الأساس، بدأوا يسعون لتقليل حدة هذا الاعتماد من خلال السعي لتوجيه جزء من صادراتهم بعيداً عن السوق الأمريكي. ومن مصلحة الأمريكيين ألا تسير كندا في هذا الاتجاه، وألا تذهب لإبرام اتفاقيات مع الصين أو غيرها من الدول، لأن هذا التحول، مع مرور الوقت، سيفقد الولايات المتحدة نفوذها التجاري والاقتصادي الذي تمتلكه حالياً على كندا. وطبعاً، هذا التحول لن يحدث في يوم وليلة، ولحدوث ذلك، يجب على كندا أن تجد طريقة تتعامل بها مع الإكراه الاقتصادي الذي تتعرض له من جانب إدارة “ترامب”.
استراتيجية المواجهة: “العين بالعين” وتجربة الصين نموذجاً
الطريقة أو الأسلوب الذي اختارته الحكومة الكندية بقيادة “كارني” هو نفس الطريق الذي سارت فيه الصين من قبلها، ألا وهو التحدي والمواجهة، انطلاقاً من مبدأ “العين بالعين، والسن بالسن، وضربة مقابل ضربة”. فقد كان الكنديون شهوداً على أن الصين، التي تجرأت على الرد على الإجراءات الأمريكية بإجراءات مضادة، كانت هي تقريباً الدولة الوحيدة التي استطاعت انتزاع اتفاقيات تجارية عادلة من الولايات المتحدة، على عكس الدول التي خافت من الرد على الأمريكيين.
الاستياء الأمريكي من الجبهة الكندية الصينية الموحدة
في هذا السياق، عبر “جاميسون جرير” الممثل التجاري الأمريكي، و”سكوت بسنت” وزير الخزانة الأمريكية، بشكل علني عن استيائهم من حقيقة أن كندا والصين هما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان اختارتا الرد على الرسوم الجمركية التي فرضها “ترامب” في العام الماضي.
***
تفريغ لحلقة المحلل الاقتصادي اشرف ابراهيم في قناة المخبر الاقتصادي