بين جذب الاستثمار وضغط المالية العامة..”تونس” أمام اختبار صعب
استثمارات صناعية تتصاعد وسط ضغوط الدين والعجز
- معاذ علي
- 10 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أزمات تونس, إمدادات النفط والغاز, اقتصاد, التصنيع المحلي
تتحرك “تونس” في مسارين اقتصاديين متوازيين؛ أحدهما يكشف عن تحسن واضح في جاذبية القطاع الصناعي للاستثمارات، والآخر يعكس استمرار القيود التي تفرضها أوضاع المالية العامة وارتفاع احتياجات التمويل، وبينما أظهرت بيانات الأشهر الأربعة الأولى من 2026 ارتفاعاً في الاستثمارات الصناعية المصرح بها وتنامياً في الوظائف المزمع إحداثها، أبقت وكالة «فيتش» تصنيف “تونس” السيادي عند B- مع نظرة مستقبلية مستقرة، محذرة في الوقت نفسه من مستويات الدين والعجز وحساسية المالية العامة للصدمات الخارجية.
زخم استثماري لافت..
بلغت الاستثمارات الصناعية المصرح بها في “تونس” 754.6 مليون دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بزيادة 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، وارتفع عدد الوظائف المصرح بإحداثها بنسبة 31.7% إلى 12 ألفاً و934 وظيفة موزعة على 745 مشروعاً، ما يعكس تحسناً في شهية الاستثمار الصناعي، وإن كانت هذه الأرقام تظل مرتبطة بمشروعات معلنة وليست بالضرورة استثمارات دخلت مرحلة التنفيذ الكامل.
وتصدرت الصناعات الغذائية قائمة الاستثمارات بقيمة 312.9 مليون دينار، تلتها الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنحو 217.5 مليون دينار، فيما بلغت استثمارات الصناعات المختلفة 128.5 مليون دينار، كما سجلت الاستثمارات الصناعية ذات المساهمة الأجنبية، سواء عبر مشروعات مملوكة بالكامل لمستثمرين أجانب أو شراكات مع مستثمرين تونسيين، قفزة بنسبة 91% إلى 228.7 مليون دينار، منها 162.9 مليون دينار لمشروعات أجنبية بالكامل و65.8 مليون دينار لمشروعات شراكة.
ولا يقتصر التحسن على حجم الأموال المعلنة، إذ ارتفعت الاستثمارات الصناعية الموجهة بالكامل للتصدير بنسبة 65.1% خلال الفترة نفسها، في وقت سجلت فيه الاستثمارات في المناطق ذات التنمية الجهوية 377.8 مليون دينار، بزيادة 117% على أساس سنوي، وتمنح هذه المؤشرات الصناعة التونسية دفعة مهمة، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصاد إلى مصادر أكثر استدامة للنمو والعملات الأجنبية.
الصناعة في مواجهة المالية العامة..
لكن قوة مؤشرات الاستثمار لا تعني أن الضغوط المالية على الدولة قد تراجعت بالوتيرة نفسها. فقد أبقت «فيتش» في 8 سبتمبر تصنيف “تونس” عند B- مع نظرة مستقرة، مشيرة إلى أن الاقتصاد يستفيد من تنوع نسبي، ومستويات دخل وتنمية بشرية أعلى من بعض نظرائه، وقوة عاملة متعلمة وموقف خارجي قادر نسبياً على تحمل الصدمات، وفي المقابل، تظل مستويات الدين العام والعجز واحتياجات التمويل عوامل ضغط رئيسية على التصنيف، وتتوقع الوكالة أن يتسع العجز المالي إلى 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقابل وسيط يبلغ 3.3% للدول المصنفة عند B.
بينما يرجح أن يصل الدين الحكومي إلى نحو 85% من الناتج، مقارنة بوسيط يبلغ 55% لهذه الفئة، كما تتوقع «فيتش» اتساع عجز الحساب الجاري إلى 3.9% من الناتج في 2026، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة واتساع العجز التجاري، مع بقاء نحو 40% من الدين الحكومي مقوماً بالعملات الأجنبية، وهو ما يزيد حساسية المالية العامة لتحركات سعر الصرف.
وتكشف هذه الأرقام أن التحدي الحقيقي أمام تونس لا يتمثل في جذب الاستثمار فقط، بل في تحويله إلى نشاط اقتصادي قادر على تخفيف الاختلالات الخارجية والمالية، فارتفاع الاستثمارات لا يصبح مكسباً مستداماً إلا إذا انعكس على الإنتاج والصادرات والإيرادات وفرص العمل، وقلل الحاجة إلى التمويل الخارجي والإنفاق العام.
اختبار التنفيذ والتصدير..
وتملك “تونس” قاعدة صناعية قادرة على دعم هذا المسار، فقد بلغت الصادرات الصناعية نحو 21 مليار دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بزيادة 9.8%، تصدرتها الصناعات الميكانيكية والكهربائية بصادرات بلغت نحو 10.97 مليار دينار، تلتها الصناعات النسيجية والملابس والجلود والأحذية بنحو 3.68 مليار دينار، ثم الصناعات الغذائية بنحو 3.28 مليار دينار، وتؤكد هذه الأرقام أن القطاع الصناعي يمثل بالفعل أحد أهم روافد التجارة الخارجية التونسية.
لكن الفارق بين «الاستثمار المصرح به» والاستثمار المنفذ يظل نقطة حاسمة. فالإعلان عن مشروع أو حجم وظائف متوقعة لا يضمن اكتمال المشروع أو استمرار تدفق رأس المال أو تحقق الوظائف فعلياً، ولذلك سيكون الاختبار الأهم خلال 2026 و2027 في قدرة “تونس” على تحويل نوايا الاستثمار إلى مصانع عاملة، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتوسيع قاعدة المصدرين، ورفع القيمة المضافة المحلية.
وتدعم الحكومة هذا الاتجاه عبر التركيز على تعزيز القدرة التنافسية الصناعية وتوسيع حضور المنتجات التونسية في الأسواق الأفريقية والدولية، وأكد وزير التجهيز والإسكان والمكلّف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، صلاح الزواري، في 8 سبتمبر، أهمية التكامل الإقليمي وتوظيف الرقمنة لتعميق سلاسل القيمة، فيما تتجه تونس أيضاً إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع دول مثل فيتنام والصين.
ومن منظور أوسع، تحتاج “تونس” إلى التأكد من أن الحوافز والإعفاءات والتسهيلات المقدمة للمستثمرين تحقق عائداً اقتصادياً واضحاً، خصوصاً في ظل ضيق الحيز المالي، ولا تتوافر أدلة موثوقة تثبت وجود فساد محدد مرتبط بموجة الاستثمارات الحالية، ولذلك لا يصح تحويل المخاوف المتعلقة بالحوكمة إلى اتهامات، لكن الرقابة على تكلفة الحوافز تظل ضرورية، حتى لا تتحول المساندة الحكومية إلى عبء إضافي من دون زيادة موازية في الإنتاج أو الصادرات أو التشغيل.
وبالتالي، تمثل القفزة الصناعية فرصة حقيقية لتونس، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحول اقتصادي شامل، النجاح سيتوقف على تحويل التدفقات المعلنة إلى استثمارات منفذة، وربطها بسلاسل التصدير، وتحسين تمويل الشركات المحلية، وزيادة الإنتاجية، وفي الوقت نفسه تخفيف اختلالات المالية العامة، وإذا نجحت “تونس” في الجمع بين هذه المسارات، فقد تتحول الصناعة إلى أحد أهم محركات النمو وتقليص الضغوط الخارجية؛ أما إذا بقيت الأرقام محصورة في مرحلة الإعلان، فقد تظل جاذبية الاستثمار منفصلة عن جوهر الأزمة المالية.