باكستان بين عمران وشهباز.. من يقودها نحو الإنقاذ؟

مع الصراع السياسي والانقسام المجتمعي

تدخل باكستان مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الأزمة الاقتصادية مع الصراع السياسي والانقسام المجتمعي، في وقت تحاول فيه حكومة رئيس الوزراء شهباز شريف تثبيت الاستقرار الداخلي والاستفادة من التحولات الإقليمية، بينما لا يزال عمران خان، رغم وجوده في السجن، أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في الشارع الباكستاني.

وفي الخلفية يظل نواز شريف حاضرا باعتباره المرجعية الأبرز لحزب الرابطة الإسلامية ــ جناح نواز، وصاحب خبرة طويلة في إدارة الدولة.

وتزداد أهمية هذا الصراع بعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا، الذي وقع في 7 أغسطس/آب الجاري بحضور شهباز شريف وولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ويمنح الاتفاق إسلام آباد ثقلا استراتيجيا جديدا، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام اختبار: هل تستطيع تحويل المكاسب الجيوسياسية إلى استثمارات ونمو اقتصادي وفرص عمل؟

حكومة شهباز.. استقرار اقتصادي أم إدارة للأزمة؟

لا يمكن إنكار أن حكومة شهباز شريف حققت بعض المؤشرات الإيجابية على مستوى الاقتصاد الكلي. فقد أشار صندوق النقد الدولي في مراجعته الثالثة لبرنامج باكستان إلى استمرار تنفيذ السياسات الاقتصادية، وتسارع النمو في النصف الأول من السنة المالية 2026، واحتواء التضخم، وتحسن احتياطيات النقد الأجنبي. كما سجل الناتج المحلي نموا سنويا قدره 3.7% في الربع الأول من السنة المالية 2026.

وفي يوليو/تموز الماضي رفعت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف السيادي لباكستان من B- إلى B، وربطت ذلك بتحسن الاستقرار المؤسسي وتنفيذ الإصلاحات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد، وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسن الإيرادات والانضباط المالي.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الأزمة انتهت. فالاقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي وبرامج صندوق النقد، كما أن النمو لا يزال أقل من المستوى الذي تحتاجه باكستان لاستيعاب الزيادة السكانية وتوفير وظائف كافية.

ويحذر الأمين العام للجنة حقوق الإنسان الباكستانية حارث خليق من أن الاستقرار الأمني والسياسي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاجتماعي؛ إذ أشار إلى ارتفاع معدلات الفقر واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، مؤكدا أن الأمن القومي لا يمكن تحقيقه من دون تحقيق «الأمن الإنساني».

ومن هنا، فإن تقييم شهباز شريف يجب أن يكون مزدوجا: نجح في منع الانهيار الاقتصادي وتحسين المؤشرات المالية، لكنه لم يحقق بعد التحول الاقتصادي الهيكلي الذي يجعل باكستان أقل اعتمادا على القروض والمساعدات.

هل يعمل النظام الحالي «في الظلام»؟

الاتهام بأن الحكومة الحالية تعمل في «البرنس» أو بعيدا عن الشفافية يعكس جزءا من حالة الاستقطاب السياسي العميقة في البلاد، لكنه يحتاج إلى التفريق بين الاتهامات السياسية والوقائع المثبتة.

ويرى رئيس المعهد الباكستاني للتشريع والتنمية الديمقراطية أحمد بلال محبوب أن نموذج «الحكم الهجين» أصبح أكثر رسوخا، وأن التحولات التي شهدتها المؤسسات السياسية والقضائية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى مزيد من تركيز السلطة.

وفي الاتجاه نفسه، تشير دراسة حديثة لمؤسسة كارنيغي إلى أن النظام السياسي الباكستاني اتجه خلال السنوات الأخيرة نحو ما وصفته بنهج «الدولة الصلبة»، مع توسع دور المؤسسات الأمنية في إدارة الملفات الداخلية وتضييق مساحة المعارضة.

لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن كل سياسات الحكومة الحالية غير شرعية أو غير فعالة. فالحكومة تملك أغلبية برلمانية، وتدير برنامجا اقتصاديا مدعوما من صندوق النقد، كما أن الاتفاق الثلاثي مع السعودية وتركيا يمثل إنجازا دبلوماسيا مهما.

المشكلة الأساسية هي الثقة السياسية؛ فكلما غابت المعارضة الأكبر، أو شعر قطاع واسع من الناخبين بأن المنافسة السياسية غير متكافئة، تصبح أي إنجازات حكومية عرضة للتشكيك.

ماذا لو خرج عمران خان؟

هنا تكمن العقدة الأكبر في المشهد الباكستاني.

حتى 22 أغسطس/آب 2026، لا توجد مؤشرات مؤكدة على إطلاق سراح عمران خان. بل إن حزبه تقدم بطلب أمام القضاء بشأن طريقة التعامل مع نقله إلى المستشفى، فيما لا يزال خان محتجزا منذ 2023.

وكانت المحكمة العليا قد أمرت بنقله إلى مستشفى خاص لإجراء فحوص طبية، قبل أن يعاد إلى السجن بعد تقييم حالته.

لكن الأهم سياسيا هو أن عمران خان لم يفقد حضوره الشعبي رغم سجنه. وتشير مؤسسة كارنيغي إلى أن خان ما زال يتمتع بشعبية واسعة حتى خلف القضبان، رغم الضغط الكبير الذي تعرض له حزبه.

وفي استطلاع لـ«غالوب باكستان»، حصل حزب حركة الإنصاف PTI على 23% ممن قالوا إنهم سيصوتون له في الانتخابات المقبلة، مقابل 22% للرابطة الإسلامية ــ جناح نواز و10% لحزب الشعب الباكستاني.

وهذا يعني أن خروج عمران خان، إذا حدث، لن يكون مجرد حدث قانوني، بل زلزالا سياسيا يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى.

لكن هل يستطيع إنقاذ باكستان؟

الإجابة: يمكنه أن يكون جزءا من الحل، لكنه لا يستطيع إنقاذها منفردا.

عمران يمتلك قدرة استثنائية على تعبئة الشباب والطبقة الوسطى والناخبين الساخطين، كما يمتلك خبرة رئيس وزراء امتدت من 2018 إلى 2022. لكنه في المقابل ترك وراءه سجلا اقتصاديا مختلطا، كما أن علاقته المتوترة مع المؤسسة العسكرية جعلت عودته إلى السلطة مرتبطة بقدرته على بناء تسوية سياسية جديدة.

ويرى المحلل السياسي الباكستاني زايغم خان أن مستقبل عمران لا يزال مفتوحا، لكنه حذر من أن عودته ليست مضمونة ما لم يحدث تغير سياسي كبير أو تتجه حركة الإنصاف إلى العمل ضمن الإطار السياسي القائم.

ميزانية عمران أم شهباز؟

المقارنة المالية بين حكومتي عمران وشهباز تحتاج إلى الحذر، لأن الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية اختلفت، ولأن شهباز تولى السلطة بعد أزمة اقتصادية حادة.

في عهد عمران، شهد الاقتصاد فترات من النمو وتحسن بعض المؤشرات، لكنه دخل في الوقت نفسه مرحلة من الضغوط على الحساب الجاري والاحتياطيات وسعر العملة، وانتهى الأمر بأزمة مالية حادة في 2022.

أما حكومة شهباز فقد ركزت على الاستقرار قبل النمو: رفع الإيرادات، تقليص العجز، إصلاح قطاع الطاقة، تنفيذ شروط صندوق النقد، وتحسين الاحتياطيات.

وبحسب البيانات الاقتصادية، سجلت باكستان في السنة المالية 2024-2025 تحسنا في العجز المالي وارتفاعا في الفائض الأولي إلى 2.5% من الناتج المحلي، مدفوعا بإصلاحات مرتبطة ببرنامج صندوق النقد.

إذن، إذا كان معيار المقارنة هو منع الانهيار المالي وتحقيق الاستقرار، تميل الكفة إلى شهباز.

أما إذا كان المعيار هو القدرة على التعبئة الشعبية وكسر النمط التقليدي للسياسة، فإن عمران يتقدم بوضوح.

وماذا عن نواز شريف؟

نواز شريف ليس خارج المعادلة.

فهو يمتلك خبرة طويلة في رئاسة الحكومة، وعلاقاته الاقتصادية والسياسية والتجارية أكثر رسوخا من كثير من منافسيه. ويرى زايغم خان أن نواز لا يزال الشخصية المركزية داخل حزب الرابطة الإسلامية ــ جناح نواز، وأن قرارات أساسية داخل الحزب ما زالت تدور حوله، رغم ابتعاده عن تولي المنصب التنفيذي حاليا.

لكن مشكلة نواز هي تراجع قدرته على تقديم نفسه باعتباره خيارا جديدا. فجزء من الناخبين الشباب يرى فيه امتدادا للنظام السياسي التقليدي، بينما يمثل عمران بالنسبة لهم تحديا لهذا النظام.

ومن هنا يبدو أن مستقبل الرابطة الإسلامية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على الانتقال من «عائلة شريف» إلى مشروع سياسي واقتصادي أكثر مؤسسية، مع بروز مريم نواز كأحد أهم وجوه الجيل المقبل.

أي الأحزاب أقوى؟

حركة الإنصاف PTI: الأقوى شعبيا في قطاعات واسعة من الشباب والطبقة الوسطى، وتمتلك قدرة هائلة على الحشد الرقمي والجماهيري. ضعفها الرئيسي هو اعتمادها الكبير على شخصية عمران، إضافة إلى الانقسامات الداخلية والقيود السياسية.

الرابطة الإسلامية ــ جناح نواز PML-N: الأقوى من حيث الخبرة الحكومية وشبكات الإدارة والنفوذ السياسي، خصوصا في البنجاب. ميزتها الأساسية قدرتها على إدارة الدولة والتفاوض مع المؤسسات الدولية، لكن شعبيتها أقل ديناميكية من شعبية عمران.

حزب الشعب الباكستاني PPP: يمتلك قاعدة انتخابية تاريخية قوية، خصوصا في السند، ولديه خبرة حكومية طويلة. لكنه حاليا أقل قدرة على المنافسة الوطنية منفردا مقارنة بـPTI وPML-N.

جمعية علماء الإسلام JUI-F: تمتلك تأثيرا دينيا وسياسيا وشبكات انتخابية مهمة، ويمكنها لعب دور «بيضة القبان» في الائتلافات، لكنها ليست في وضع يسمح لها بقيادة باكستان منفردة.

من يقود باكستان مستقبلا؟

إذا كان السؤال هو: من يملك أكبر فرصة سياسية؟ فإن عمران خان، إذا خرج من السجن واستعاد القدرة على قيادة حركة الإنصاف، سيظل منافسا قويا للغاية.

وإذا كان السؤال: من يملك أكبر خبرة في إدارة الدولة والاقتصاد التقليدي؟ فالإجابة تميل إلى نواز شريف وشهباز شريف وحزب الرابطة الإسلامية.

أما إذا كان السؤال: من يستطيع إنقاذ باكستان فعلا؟ فالإجابة الأكثر واقعية ليست عمران ولا شهباز ولا نواز منفردا.

باكستان تحتاج إلى تسوية سياسية وطنية تجمع بين قوة عمران الشعبية، وخبرة الرابطة الإسلامية في الإدارة، وشبكات حزب الشعب، مع إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية.

ويؤكد تقرير BTI لعام 2026 أن استمرار الصراع بين PTI والقوى الحاكمة والمؤسسة العسكرية أدى إلى تعميق الاستقطاب، وأن الحوار السياسي والمصالحة يمثلان المسار الأكثر واقعية للخروج من الأزمة.

كما يرى حارث خليق أن الحوار بين القوى السياسية ضرورة، بينما يشدد أحمد بلال محبوب على أن تركيز السلطة يهدد المسار الديمقراطي. وفي المقابل يرى زايغم خان أن على باكستان تحويل مكاسبها الجيوسياسية، ومنها اتفاق مكة، إلى فوائد اقتصادية ملموسة.

الخلاصة: شهباز شريف أثبت قدرة أكبر على إدارة مرحلة الاستقرار المالي والدبلوماسي، وعمران خان يمتلك أقوى رصيد تعبوي وشعبي، بينما يملك نواز شريف أكبر خبرة سياسية داخل المنظومة التقليدية.

لكن مستقبل باكستان لن يحسمه اسم واحد؛ بل قدرة أي قيادة مقبلة على إنهاء الاستقطاب، إصلاح المالية العامة، جذب الاستثمار، خلق الوظائف، وتأسيس علاقة مستقرة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية.

وإذا خرج عمران خان فعلا، فإن اتفاق مكة لن يكون عاملا كافيا لإنقاذ الحكومة الحالية أو إسقاطها، لكنه قد يصبح جزءا من إعادة تشكيل السياسة الباكستانية إذا نجحت إسلام آباد في تحويل التحالف الأمني الجديد إلى مكاسب اقتصادية طويلة الأجل.

اترك تعليقا