انقلاب النيجر ..لهذه الاسباب تدخلت الجزائر لإنقاذ حكم تياني
إعادة ترتيب الأوضاع في دول الساحل من بينها
- abdelrahman
- 4 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, ارسال المقاتلات, الجزائر, النيجر, انقاذ حكم تياني, دول الساحل
لم يكن التدخل الجزائري الأخير في النيجر مجرد خطوة تضامنية مع حكومة عسكرية تواجه تمرداً داخلياً، بل يبدو أقرب إلى إعلان عن عودة الجزائر بقوة إلى معادلة الساحل الإفريقي. ففي 29 أغسطس 2026 اندلع تمرد عسكري في نيامي استهدف مواقع استراتيجية، قبل أن تتمكن القوات الموالية للجنرال عبد الرحمن تياني، بمساندة روسية، من استعادة السيطرة. وبعد ذلك دفعت الجزائر بطائرات عسكرية إلى نيامي، في خطوة حملت رسالة سياسية وأمنية واضحة إلى الداخل والخارج.
وبحسب العديد من المراقبين فإن هناك أسبابا عديدة لهذا التدخل منها منع انهيار نظام تياني وتحول النيجر إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي. فالجزائر تنظر إلى أمن النيجر باعتباره جزءاً مباشراً من أمن حدودها الجنوبية، وأي فراغ سياسي أو أمني في نيامي يمكن أن ينعكس على المناطق الحدودية والصحراء الكبرى، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود.
لكن الأهم أن الجزائر تريد حماية موقعها الذي بدأت تستعيده تدريجياً في الساحل. فقد شهدت العلاقات الجزائرية مع دول تحالف دول الساحل، الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو، تدهوراً كبيراً خلال 2025، قبل أن تبدأ الجزائر خلال 2026 حملة دبلوماسية لإعادة بناء جسورها مع المنطقة.
تحرك الجزائر
ومن هنا يمكن فهم مساندة تياني باعتبارها رسالة مفادها أن الجزائر لن تسمح بأن تصبح الأنظمة العسكرية في جوارها الجنوبي رهينة لتدخلات خارجية أو لصراعات داخلية، خصوصاً بعدما أصبح النفوذ الروسي حاضراً بقوة في الساحل.
ومن البديهي القول : أن أحد أهم أهداف التحرك الجزائري تطبيع العلاقات مع مالي فالعلاقة مع مالي كانت تمثل تاريخياً أحد أهم مفاتيح النفوذ الجزائري في غرب إفريقيا، خصوصاً أن الجزائر لعبت أدواراً في الوساطة بين الحكومات المالية وحركات الشمال، وصولاً إلى اتفاق الجزائر لعام 2015.
لكن العلاقات تدهورت بصورة حادة بسبب ملف الطوارق والتوترات الحدودية، ثم أزمة إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية في 2025.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى رغبة الطرفين في فتح صفحة جديدة؛ فقد أعلنت الجزائر ومالي في يوليو 2026 إعادة العلاقات الدبلوماسية وعودة السفراء، إلى جانب إعادة فتح المجال الجوي بين البلدين.
وبالتالي فإن النيجر قد تصبح بوابة الجزائر لإعادة بناء علاقاتها مع تحالف دول الساحل كله. فنجاح الجزائر في الحفاظ على علاقات قوية مع نيامي، بالتزامن مع المصالحة مع باماكو، يسمح لها باستعادة جزء من الدور الذي فقدته خلال السنوات الماضية.
الجزائر واستعادة نفوذها في مالي
لا يتعلق الأمر بالأمن والسياسة فقط. هناك مصالح اقتصادية واستراتيجية مهمة، بينها التعاون في قطاع الطاقة ومشروع خط الغاز العابر للصحراء بين نيجيريا والنيجر والجزائر، إضافة إلى مصالح مرتبطة بالموارد النفطية في النيجر. ولذلك فإن استقرار نيامي يخدم المصالح الجزائرية بعيدة المدى.
كما أن الجزائر تتحرك في بيئة تنافسية؛ فالمغرب يسعى بدوره إلى توسيع حضوره في غرب إفريقيا والساحل، وهو ما يجعل استعادة الجزائر لنفوذها جنوب الصحراء جزءاً من منافسة إقليمية أوسع.
خطر الانقلابات في النيجر؟
لذا يمكن القول إن التمرد الأخير كشف هشاشة داخلية حقيقية. فالقضية لم تكن مجرد محاولة خارجية لإسقاط تياني؛ إذ تشير التقارير إلى أن جزءاً من التمرد جاء من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وسط تذمر مرتبط بتدهور الوضع الأمني والخسائر في مواجهة الجماعات الجهادية.
وهذا يعني أن تياني يستطيع احتواء محاولة انقلاب، لكنه لا يستطيع بمجرد الدعم الخارجي معالجة الأسباب التي دفعت بعض العسكريين إلى التمرد. فإذا استمرت الهجمات المسلحة وتدهورت أوضاع القوات، فقد تظهر محاولات جديدة، وربما من داخل الجيش نفسه.
من الصعب الحديث عن عودة السيناريو القديم المتمثل في تدخل عسكري مباشر لإسقاط النظام. فالمشهد تغير جذرياً منذ انقلاب 2023؛ النيجر طردت القوات الفرنسية، وانسحبت من المنظومة الغربية، وانضمت إلى تحالف الساحل، بينما أصبحت روسيا شريكاً أمنياً مهماً للنظام. وبالتالي فإن أي محاولة خارجية مباشرة ستكون أكثر تعقيداً وكلفة.
لكن هذا لا يعني أن الضغوط السياسية والدبلوماسية ستتوقف. فمن المرجح استمرار محاولات التأثير على مسار الحكم في نيامي، خصوصاً عبر الضغط الدبلوماسي والاقتصادي وتشجيع العودة إلى مسار سياسي مدني، بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
ومن هنا يمكننا القول إن التدخل الجزائري يمثل تحولاً مهماً في سياسة الجزائر تجاه الساحل، فالجزائر لم تكتفِ هذه المرة بالدعوة إلى الحوار وعدم التدخل، بل أظهرت استعداداً لإسناد حليف إقليمياً عندما شعرت أن نظامه مهدد.
وقد تكون الرسالة الأوسع موجهة إلى مالي وبوركينا فاسو أيضاً: الجزائر تريد استعادة موقعها كقوة إقليمية مؤثرة في الساحل.
فرنسا واستقرار النيجر
لكن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن صعب: دعم استقرار النيجر من دون التورط في مستنقع أمني، وإعادة بناء العلاقة مع مالي من دون الاصطدام بملف الطوارق، ومنافسة النفوذ الروسي والغربي والمغربي في الوقت نفسه.
أما النيجر، فستبقى معرضة للاضطراب طالما استمرت أزمتها الأمنية والاقتصادية والانقسامات داخل المؤسسة العسكرية. ولذلك فإن محاولة الانقلاب الأخيرة قد تكون أقل أهمية باعتبارها حدثاً انتهى، وأكثر أهمية باعتبارها إنذاراً بأن استقرار حكم تياني لم يُحسم نهائياً